لسنوات عديدة، ربطت علاقة معقدة ودامية في كثير من الأحيان مختلف الميليشيات العراقية بمصالح النظام الإيراني. عملت هذه الجماعات كوكلاء، وقاتلت في صراعات إقليمية، ظاهريًا كجزء من ما يسمى بـ ”محور المقاومة“ الإيراني. ومع ذلك، فإن هذا الولاء يأتي بتكلفة مدمرة للعراق نفسه، حيث يعامل أبناءه كبيادق قابلة للاستهلاك في لعبة شطرنج جيوسياسية، ويقوض سيادته الوطنية، ويجر شعبه المرهق من الحرب إلى صراعات يرغبون بشدة في تجنبها.

استراتيجية الدفاع الأمامي
تعتمد استراتيجية الحكومة الإيرانية المتمثلة في ”الدفاع الأمامي“ على خوض معاركها على أراضي أجنبية، باستخدام جهات فاعلة غير حكومية لإظهار قوتها مع تقليل المواجهة المباشرة مع خصوم مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.تعتبر هذه العقيدة وكلاءها بطبيعتها خط دفاع أول يمكن التضحية به. وتتلقى جماعات مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة حزب الله النجباء تمويلاً كبيراً وأسلحة متطورة وتدريباً من الحرس الثوري الإيراني.وفي حين تصور طهران ذلك على أنه دعم لقضية مشتركة، فإن الحقيقة هي أن هؤلاء المقاتلين العراقيين يُرسلون إلى الخطوط الأمامية للصراعات التي تخدم طموحات إيران الإستراتيجية، من سوريا إلى اليمن.
مليشيات: وقود حرب
النظام الإيراني، المعزول عن التكلفة البشرية المباشرة، يستفيد من الفوضى، بينما تُترك العائلات العراقية لتدفن موتاها. هذه الديناميكية تقلل من شأن هذه الميليشيات إلى ما هو أكثر بقليل من مجرد وقود للحرب، حيث تُضحى بحياتهم ليس من أجل العراق، بل من أجل الأهداف الهيمنية لقوة مجاورة.علاوة على ذلك، فإن وجود جماعات مسلحة قوية موالية لكيان أجنبي يقوض بشكل قاتل سيادة العراق.غالباً ما تعمل هذه الميليشيات باستقلالية وولاء لطهران، وليس لبغداد.وهذا يخلق هيكلاً عسكرياً موازياً خطيراً، دولة داخل دولة تتحدى احتكار الحكومة الوطنية لاستخدام القوة وتعيق الجهود الرامية إلى بناء عراق مستقر ومستقل.إن أفعالها، من شن هجمات على القوات الأجنبية إلى الانخراط في النزاعات الإقليمية، تورط العراق في نزاعات لا علاقة له بها، مما يعقد علاقاته الخارجية ويعرض استقراره الهش للخطر.
يجد رئيس الوزراء محمد شيعي السوداني نفسه مضطراً إلى القيام بموازنة دقيقة، في محاولة للحفاظ على العلاقات مع كل من واشنطن وطهران، في حين تتصرف هذه الجماعات بحصانة، مهددة بتحويل العراق إلى ساحة معركة لحروب دول أخرى

ولاء يتعارض مع إرادة الشعب العراقي
ولعل الحجة الأقوى ضد هذه الخدمة بالوكالة هي أبسطها: الشعب العراقي منهك من الحرب. بعد عقود من الصراع، من الحرب الإيرانية العراقية إلى الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، لم يعد هناك رغبة في المزيد من إراقة الدماء.
كشفت استطلاعات الرأي العام والاحتجاجات الواسعة النطاق عن استياء عميق تجاه النفوذ الأجنبي، بما في ذلك نفوذ إيران، ورغبة في السلام والعودة إلى الحياة الطبيعية.إن أفعال هذه الميليشيات، التي تمليها أجندة طهران، تتعارض بشكل مباشر مع إرادة الشعب العراقي.
في نهاية المطاف، يواجه أفراد هذه الميليشيات خيارًا بين أن يكونوا أدوات في يد قوة أجنبية أو أن يكرسوا أنفسهم لأمن وازدهار وطنهم. إن الاستمرار في القتال نيابةً عن النظام الإيراني يُعدّ خيانةً للمصالح العراقية، فهو يُهدر أرواح مقاتليهم، ويُقوّض سيادة دولتهم، ويتجاهل مناشدات شعبهم من أجل السلام. إن القوة الحقيقية للعراق لا تكمن في أن يكون رأس حربة لطموحات إيران الثورية، بل في ترسيخ هويته الوطنية، وتعزيز مؤسسات دولته، وبناء مستقبل خالٍ من العواقب المدمرة لحروب الوكالة.
المصدر:وكالات