تشرع سوريا اليوم في كتابة فصل جديد من تاريخها المعاصر، وتواجه الحكومة الجديدة تركة مثقلة بالتحديات على عدد من الجبهات الرئيسية وعلى رأسها: تحقيق المصالحة الوطنية لتوحيد مجتمع أنهكته الحروب وسنوات من الانقسام، وإنعاش اقتصاده المنهار، وتأمين عودة كريمة لملايين النازحين واللاجئين. بالرغم من إتخاذ دمشق خطوات جادة على هذه المسارات، فإنها تصدم بواقع مرير وصعب على أرض الواقع خلفها النظام السابق وسنوات من الصراع. ويراقب الشارع السوري هذه الجهود بين أمل حذر وشكوك عميقة، منتظراً أن تترجم تلك الوعود إلى واقع ملموس في حياته اليومية.

المصالحة ورص الصفوف
وقد أطلقت سوريا الجديدة أولى مبادراتها لطيّ صفحة الماضي، عبر تأسيس “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” في 28 آب / أغسطس 2025. وتهدف تلك الهيئة، حسب تصريحات رئيسها عبد الباسط عبد اللطيف في سبتمبر 2025، إلى تحقيق المصالحة الوطنية والسلم الأهلي، وكشف حقيقة الانتهاكات، ومساءلة المتورطين، وتعويض ضحايا تلك الانتهاكات. وترافقت هذه الخطوة مع تأكيدات رسمية من قبل الحكومة السورية بالمضي قدماً في “محاسبة المجرمين وتحقيق العدالة للشعب السوري”، والدعوة إلى حوار وطني شامل لصياغة عقد اجتماعي جديد. ويبدو واضحا أن هذه المساعي تصطدم بتعقيدات أمنية ومجتمعية صعبة. فلا تزال الأوضاع هشة في مناطق عدة، مع استمرار نشاط فلول النظام السابق والعديد من الجماعات المسلحة المتصارعة مما يؤجج التوترات كما حدث في الساحل والسويداء. ويؤكد المراقبون أن انتشار خطاب الكراهية والتحريض الطائفي عبر الإنترنت يضيف “بعداً أخر” للأزمة، إذ يخلق حاجزاً نفسياً وحالة من الخوف الذي يعرقل جهود التوحيد ويحول دون عودة الكثيرين. وتخلق تلك الصعاب حالة من الانشقاق في الرأي حيث يؤكد البعض على أهمية تركيز الدولة على فرض القانون والنظام، ويشدد آخرون على أن المصالحة الحقيقة تتطلب حواراً شاملاً وحقيقياً يعالج جذور الانقسام.

معركة إنقاذ الإقتصاد
كما تسعى الحكومة السورية حثيثاً لإنقاذ الاقتصاد الذي تصفه التقارير بأنه في “وضع سيئ للغاية” بعد أن فقد الناتج المحلي قيمته وانهارت العملة، وبات أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. وتتصدر تلك الجهود في محاولة جذب الاستثمارات الخارجية، حيث قام الرئيس أحمد الشرع بزيارات إلى دول عربية وإقليمية كالسعودية وتركيا، لبحث سبل الدعم والمشاركة في إعادة الإعمار. كما أطلقت الحكومة عملة سورية جديدة في أواخر ديسمبر 2025، في خطوة رمزية لاقت ردود فعل متباينة في الشارع، فبينما رآها البعض قطيعة مع الماضي، اعتبرها آخرون خطوة شكلية، مؤكدين أن الأهم قوة قيمتها الشرائية وقدرتها على تحسين ظروفهم المعيشية. ورغم هذه الخطوات، يواجه المواطن السوري واقعاً اقتصادياً قاسياً، يجعل استعادة السيطرة على موارد النفط والغاز الحيوية، التي يقع معظمها حالياً خارج سلطة الحكومة، تمثل أولوية قصوى رغم صعوبة تحقيقها على المدى القصير. ويرى كثير من السوريين أن أي تحسن حقيقي مرهون بتحقيق الإستقرار السياسي الكامل، ورفع العقبات الدولية التي تخنق الإقتصاد، وتدفق مساعدات دولية ضخمة.
عودة المهجرين إلى بيوتهم
وعملت الحكومة السورية الجديدة، بالتنسيق مع هيئات دولية كالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على تسهيل عودة اللاجئين من دول الجوار. وتشير الأرقام إلى عودة مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين داخلياً منذ ديسمبر 2024، مع توقعات بعودة نحو مليون لاجئ إضافي خلال عام 2026.
ورغم العودة الطوعية، فإن الواقع يصدم العائدين بعقبات تحول دون استقرارهم، وتدفع بعضهم للعودة مجدداً إلى المخيمات. وتتمثل العقبة الأبرز في حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمنازل والبني التحتية، حيث يعود الكثيرون ليجدوا بيوتهم مجرد ركام، ومناطقهم تفتقر لأبسط الخدمات كالماء والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية. وقد أكد تقرير للأمم المتحدة أن عودة النازحين لا تخفف من حجم الكارثة الإنسانية في ظل غياب البنية التحتية القادرة على استيعابهم. ويضاف إلى ذلك، انعدام العمل والوضع الأمني الهش وانتشار الألغام، كلها عوامل تجعل قرار العودة مغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للكثيرين.
المصدر:وكالات
إقرأ أيضا:غارات جوية ضد أهداف إرهابية في سوريا