تشهد طهران تحركات طلابية جديدة تعكس اتساع الضيق من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات الأساسية داخل الجامعات وخارجها. وفي جامعة العلامة الطباطبائي، احتج طلاب على الرسوم الدراسية المتزايدة، وتدهور خدمات السكن والطعام، والقيود المفروضة على الحريات داخل الحرم الجامعي، في وقت تواجه فيه الأسر الإيرانية ضغوطاً اقتصادية قاسية.

مطالب تتجاوز أسوار الجامعة
لم يركز المحتجون على قضية واحدة. فقد طالبوا بتحسين ظروف السكن الجامعي وجودة الوجبات، وخفض الأعباء المالية التي تفرضها الدراسة، وإنهاء القيود التي تستهدف الطالبات، والإفراج عن زملاء محتجزين. وتشير تقارير إلى أن طلاباً في جامعات أخرى، بينها جامعتي لورستان ورازي، قاطعوا خدمات الطعام بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع الجودة.
وتوضح هذه التحركات أن الجامعة أصبحت مرآة لأزمة اجتماعية أوسع. فارتفاع الرسوم وتكاليف الطعام والنقل والسكن لا يمثل مشكلة أكاديمية منفصلة، بل يعكس تراجع القدرة الشرائية وغياب الاستجابة الكافية لحاجات الشباب الذين يفترض أن يشكلوا مستقبل البلاد.
غلاء يضغط على الإيرانيين
تعيش إيران أزمة اقتصادية خانقة تتجلى في ارتفاع الأسعار بوتيرة متسارعة، وتراجع قيمة العملة، وتزايد صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية. وقدرت تقارير أن معدل التضخم السنوي وصل إلى نحو 80% في أغسطس/آب، بينما بلغ تضخم أسعار الغذاء قرابة 130%، وهي مستويات تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة للعمال والموظفين والطلاب والمتقاعدين.
ولا تتعلق الأزمة بالقدرة على شراء السلع فقط، بل تشمل أيضاً الحصول على خدمات عامة مناسبة وفرص عمل مستقرة وتعليم يمكن تحمّل تكلفته. ومع تقلص دخول الأسر وارتفاع النفقات، يشعر كثير من الإيرانيين بأن مؤسسات الدولة لا تسمع شكاواهم ولا تتعامل بجدية مع أولوياتهم المعيشية.
الحرب أرهقت المجتمع
تأتي الاحتجاجات في سياق حرب طويلة وتوتر أمني مستمر أثرا بعمق في حياة المدنيين. فالإنفاق العسكري، والعقوبات، واضطراب التجارة، وتراجع الاستثمار، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد وتزيد معاناة المواطنين. كما يواجه الإيرانيون مناخاً عاماً من عدم اليقين، إذ يشعر كثيرون بأن صوتهم يغيب عن القرارات الكبرى التي تحدد مستقبلهم ومستقبل بلدهم.
وتحوّل هذا الشعور إلى غضب علني لدى شرائح متعددة، من الطلاب والمعلمين إلى العمال والمتقاعدين. فقد شهدت إيران خلال الأشهر الماضية اعتصامات وتحركات مطلبية مرتبطة بالأجور المتأخرة، وارتفاع الأسعار، والبطالة، وتدهور الظروف المعيشية، حتى في ظل مخاطر أمنية كبيرة.
أمام السلطات خياران
تواجه السلطات الإيرانية الآن اختباراً سياسياً وأخلاقياً. فالخيار الأول هو تكرار النهج الأمني: نشر قوات الأمن والباسيج في الشوارع والجامعات، وتهديد المحتجين أو اعتقالهم، ومحاولة إسكات الأصوات الغاضبة بالقوة. وتشير تقارير إلى أن الطلاب واجهوا بالفعل تهديدات داخل الحرم الجامعي، بينما كثفت السلطات حملاتها ضد المعارضة والاحتجاج في فترات سابقة.
لكن القمع لا يعالج أسباب الأزمة. وقد يفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنه يعمق فقدان الثقة ويدفع الغضب إلى أشكال جديدة من الرفض. ولا يستطيع أي نظام أن يبني استقراراً دائماً إذا تجاهل مطالب مواطنيه في الكرامة والخدمات والعمل والتعليم.
أما الخيار الثاني، فيتطلب أن تستمع السلطة إلى مطالب الناس وتغير أولوياتها. ويعني ذلك خفض التوتر الخارجي، والبحث عن مخرج سياسي من الحرب، ووقف السياسات التي تستنزف الاقتصاد وتزيد العزلة، وتوجيه الموارد نحو الخدمات العامة وفرص العمل وحماية القدرة الشرائية.

صوت لا يمكن تجاهله
لا يطالب الطلاب بالترف، بل بمقومات حياة وتعليم لائقين: طعام مناسب، ورسوم يمكن تحملها، وسكن آمن، وحريات أساسية، وفرصة حقيقية لمستقبل أفضل. وتمثل احتجاجاتهم رسالة أوسع مفادها أن الإيرانيين سئموا من دفع ثمن الحروب والخيارات السياسية التي لم يشاركوا في صنعها.
إن تجاهل هذا الصوت أو مواجهته بالقوة سيزيد الأزمة عمقاً. أما الاستجابة الجادة، فتبدأ بالاعتراف بأن ازدهار إيران وأمنها لا يتحققان عبر إسكات طلابها، بل عبر الإنصات إليهم ووضع كرامة المواطن واحتياجاته في مقدمة السياسات العامة.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : برنامج تحييد الاسلحة الكيميائية في سوريا