دخل العراق مرة أخرى في دائرة القلق بعد إعلان ميليشيات مسلحة فتح باب التطوع لما وصفته بـ”الدفاع عن إيران”، في خطوة تؤشر انتقال الخطاب من التضامن المعنوي مع نظام طهران إلى الإستعداد الميداني للقتال دفاعاً عنه، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز الداخل العراقي. ومنذ أيام تشهد بغداد وعدد من مدن جنوب العراق فعاليات نظمتها ميليشيات مسلحة موالية لإيران، تضمنت فتح مكاتب لتسجيل متطوعين للقتال في حال دخلت إيران في حرب مع الولايات المتحدة، إذ أظهرت مقاطع وصور بثتها منصات تابعة لتلك الميليشيات تنظيم مسيرات رمزية، فضلاً عن تعبئة استمارات تحمل بيانات شخصية للمتطوعين.

المليشيات وفتح مراكز التطوع
وفي نفس السياق, وثقت منصات تابعة لـميليشيا النجباء على مواقع التواصل الإجتماعي، تجمعات لمتطوعين للقتال دفاعاً عن النظام الإيراني. كما شهدت مراكز تطوع تشرف عليها ميليشيا كتائب حزب الله العراقي في محافظة المثنى جنوب العراق، لتعبئة استمارات لتنفيذ عمليات انتحارية. و ذلك استجابة لنداء أطلقه زعيمها أبو حسين الحميداوي والمدرج على لوائح الإرهاب. وفي محافظتي بابل والديوانية، وسط وجنوب البلاد، ارتدى متطوعون كفنا أبيض في دلالة رمزية على الجاهزية للموت دفاعا عن إيران. وعلى الرغم من اتساع نطاق الفعاليات وتداول صور تسجيل المتطوعين على نطاق واسع، لم تصدر الحكومة العراقية حتى الآن أي توضيحات رسمية بشأن طبيعة هذه التحركات أو سقف التعامل معها.
حالة الإستهتار بقوانين العراق
مازالت الميليشيات المسلحة الموالية للنظام الإيراني في العراق تحاول جرَ البلد إلى بركة دم جديدة. بالإضافة إلى عزلة دولية، وذلك عبرَ محاولاتها لتوسيع دائرة الصراع الإقليمي ، تهدف نوايا زعماء هذه الميليشيات إلى جعل كل شبر من أرض العراق منطقة ضمن النفوذ الإيراني. إن التصعيد في الخطاب والظهور بمظاهر قتالية عبرَ وسائل الإعلام وبصورة علنية يؤشر حالة الإستهتار بقوانين الدولة العراقية أكثر مما يعكس موقفاً عملياً قابلاً للتنفيذ. كما أن هذه الأفعال التي تتبناها المجاميع المسلحة تضع الدولة في موقع حرج أمام الرأي العام الداخلي والمجتمع الدولي على حد سواء. أما على أرض الواقع، فإن هذه الفصائل لا تمثل رأي الشارع العراقي بشكل عام، بل تشكل جزءاً محدوداً منه. ومع ذلك فإن اندفاعها نحو خطاب التعبئة قد يجر البلاد إلى تداعيات لا يتحملها الداخل العراقي، كما أن طرح شعارات القتال المسبق، قبل اتضاح مسارات التهدئة أو التفاهمات الدولية، يخلق تناقضاً خطيراً في الخطاب، ويضع أصحاب هذه الدعوات أمام اختبارات واقعية في حال انتهت الأزمات بتسويات لا تفضي إلى المواجهة.
تحديات تواجه دولة العراق
ويحذر خبراء أمنيون من استمرار هذا النوع من التعبئة والذي قد ينعكس مباشرة على الشأن العراقي الداخلي، عبر زيادة مستوى التدقيق الدولي في سلوك هذه الفصائل المسلحة. كما أن هنالك قلق عراقي من أن يقوم المجتمع الدولي بتفسَير هذه التحركات على أنها مؤشرات على تآكل مبدأ حصرية السلاح وازدواج القرار الأمني، بما قد يفتح الباب أمام ضغوط دبلوماسية إضافية على العراق هو في غنى عنها، أو تشديد في المواقف الدولية تجاه بغداد، في وقت يسعى فيه العراق إلى تثبيت موقعه كطرف متوازن يتفادى الانخراط في صراعات المحاور.
إن أحد أكبر التحديات التي يواجهها العراقي في الوقت الحالي هي تطبيق القوانين على المجاميع المسلحة المنفلتة والتي تدين بالولاء للخارج وخصوصا النظام الإيراني. بحيث تصبح الدولة قادرة على ضبط النظام وفرض سلطتها بشكل مطلق على جميع المواطنين، والمرحلة الحالية يمكن اعتبارها كنقطة حرجة يتوجب على صناع القرار اتخاذ خطوات فعالة تضمن فرض القوانين على الجميع بدون استثناء. فالدولة القوية هي القادرة على تحريك قواتها الأمنية ضد جميع أشكال العصيان والتمرّد الذي يمس أمنَ مواطنيها، وهي المخول الرئيسي الذي من حقهُ فرض سيادة القانون على الجميع داخل حدودها.
المصدر:وكالات