إرتفاع حالات الانتحار في ألمانيا وإنتعاش خدمات «سوق الموت»

💬0

إرتفاع حاد في عدد حالات الإنتحار

سجل المكتب الاتحادي للإحصاء في ألمانيا ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الانتحار خلال عام 2025. فقد توفي 11,334 شخصاً بسبب الانتحار، بزيادة قدرها 9.3% عن العام السابق، وبزيادة قدرها 15.6% مقارنة بمتوسط السنوات العشر الماضية.

صورة  لفتاة تعاني من الوحدة/المصدر/Pexels
صورة لفتاة تعاني من الوحدة/المصدر/Pexels

وشكلت حالات الانتحار 1.1% من إجمالي أسباب الوفاة في ألمانيا، وهو نفس النسبة السائدة في السنوات السابقة. كما تجاوز عدد حالات الانتحار عدد الوفيات الناتجة عن حوادث المرور والإيدز والقتل والقتل العمد مجتمعة.

النساء يقودن الزيادة

حافظ التوزيع النسبي بين الجنسين على استقراره نسبياً، إذ شكل الرجال 69.2% من حالات الانتحار، بينما شكلت النساء 30.8%. لكن الزيادة خلال السنوات الثلاث الماضية ترجع بشكل رئيسي إلى ارتفاع عدد الحالات بين النساء بنسبة 17.9%، مقابل زيادة قدرها 5.8% بين الرجال.

وأعربت مؤسسة المساعدة لمرضى الاكتئاب والوقاية من الانتحار في لايبزيغ عن قلقها إزاء هذه الأرقام. وربطت المؤسسة هذا التطور بشيخوخة المجتمع الألماني، وبزيادة حالات الانتحار بمساعدة الغير.

انتعاش خدمات المساعدة على الانتحار

تشهد خدمات المساعدة على الانتحار في ألمانيا انتعاشاً ملحوظاً منذ عام 2020. فقد لجأ 1,287 شخصاً في العام الماضي إلى منظمات متخصصة في مرافقة المحتضرين، مقارنة بـ1,200 شخص في العام الذي سبقه.

ويصف خبراء الصحة النفسية هذا النشاط بأنه «سوق الموت»، لأنه يقدم خدمات منظمة للمساعدة على الانتحار. وقد ازدادت هذه الخدمات بعد قرار المحكمة الدستورية الاتحادية الذي ألغى حظر تنظيم خدمات المساعدة على الانتحار.

قرار المحكمة الدستورية يفتح الباب

قضت المحكمة الدستورية الاتحادية في فبراير 2020 بأن لكل إنسان حقاً دستورياً في إنهاء حياته بنفسه، وأن هذا الحق يشمل حرية طلب المساعدة من الغير طواعية. وألغت المحكمة المادة 217 من القانون الجنائي التي كانت تحظر تقديم خدمات المساعدة على الانتحار بشكل تجاري.

واشترطت المحكمة أن يتخذ الشخص قراره بإرادته الحرة، دون ضغوط خارجية أو بسبب اكتئاب حاد. كما دعت المحكمة المشرّع إلى وضع إطار قانوني يضمن حرية القرار ويمنع إساءة الاستخدام، لكن البرلمان الألماني لم يسن بعد قوانين تنظيمية شاملة.

تحذيرات من تطبيع المساعدة على الانتحار

حذر أولريش هيغيرل، رئيس مؤسسة المساعدة لمرضى الاكتئاب والوقاية من الانتحار، من أن تطبيع المساعدة على الانتحار قد يخفض عتبة الإقدام عليه. وأضاف أن هذا قد يزيد عدد حالات الانتحار التي يمكن تفاديها، خصوصاً تلك الناتجة عن الوحدة أو الاضطرابات النفسية.

وأشار هيغيرل إلى أن التجارب في هولندا تشير إلى هذا الاتجاه. وأوضح أن القانون الألماني يسمح بالاستفادة من المساعدة على الانتحار حتى في غياب مرض عضال أو معاناة غير قابلة للعلاج، ولا يلزم الأشخاص بتبرير رغبتهم في الموت.

صورة لشخص يعاني من الاكتئاب/المصدر/Pexels
صورة لشخص يعاني من الاكتئاب/المصدر/Pexels

الوحدة والاكتئاب عوامل خطر

ذكر هيغيرل أمثلة لمرضى يعانون الاكتئاب وأفكاراً انتحارية، وأخبروه أنهم لم يقدموا على الانتحار فقط لأنهم لم يرغبوا في إلحاق الأذى بأسرهم. ويؤكد هذا أن الدعم الأسري والنفسي يلعب دوراً حاسماً في الوقاية.

وتؤكد الأبحاث أن تقييم مخاطر الانتحار والتدخل المبكر يحتاجان إلى تدريب متخصص، خصوصاً لدى المهنيين الذين يتعاملون مع أشخاص يعانون أمراضاً مزمنة أو نفسية

دعوات لتعزيز الوقاية

دعا هيغيرل إلى تعزيز جهود الوقاية من خلال تعاون المدن والبلديات مع أطباء الأسرة، وتوعية الرأي العام، وتقديم دورات تدريبية للقساوسة والمعلمين والعاملين في وسائل الإعلام وموظفي الرعاية والشرطة.

كما شدد على أهمية دعم الأشخاص الراغبين في الموت وأقاربهم، وتقديم بدائل علاجية ونفسية قبل اللجوء إلى أي قرار نهائي. وتقترح وزارة الصحة الألمانية إصلاحات تشمل خطاً ساخناً وطنياً للوقاية من الانتحار، وتعزيز شبكات الدعم المحلية، وإنشاء مكتب اتحادي للوقاية من الانتحار.

الحاجة إلى إطار قانوني واضح

لا يزال وضع المساعدة على الانتحار في ألمانيا يفتقر إلى إطار قانوني شامل، رغم دعوات المحكمة الدستورية منذ 2020. وقد أعلن المشرعون عن مشاريع قوانين متعددة، لكنها لم تحظ بعد بموافقة برلمانية.

وتحتاج ألمانيا إلى موازنة دقيقة بين احترام الحق في الموت الذاتي وحماية الفئات الضعيفة من الضغوط أو القرارات المتسرعة. فبدون تنظيم واضح وبرامج وقاية فعالة، قد تستمر أزمة الانتحار في التفاقم.

المصدر : وكالات
إقرأ ايضاً : جيل أكثر وحدة.. الشباب يقضون ساعات أطول يومياً بمفردهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *