فجوة بين خطاب الصمود وواقع الأسر
تعيش الأسر الإيرانية تحت ضغط حرب تستنزف موارد البلاد وتضاعف أعباء المعيشة، بينما تتمسك القيادة بخطاب القدرة على الصمود. لكن بقاء مؤسسات الدولة قادرة على الإنفاق لا يعني أن المواطنين يستطيعون شراء الغذاء والدواء أو دفع الإيجار. وقد وثقت رويترز تقليص أسر إنفاقها على الطعام والسكن والتعليم، بعدما دفعت الحرب الاقتصاد نحو موجة تضخم قاسية أضعفت الدخول وأجلت خطط الناس للمستقبل.

الأسعار تكشف حجم المعاناة
بحسب بيانات رسمية وأرقام نقلتها وسائل إعلام حكومية وأوردتها رويترز، ارتفعت أسعار المستهلكين في سبتمبر بنحو 90% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغت الزيادة في أسعار الأغذية والمشروبات 121.8%. وهذه الأرقام ليست تفاصيل اقتصادية مجردة؛ إنها تعني أن الراتب يشتري طعامًا أقل، وأن الأسرة تضطر إلى المفاضلة بين احتياجات أساسية. كما تجعل أي حديث رسمي عن الوفرة بحاجة إلى تفسير يربط المخزون بقدرة المواطنين الفعلية على الشراء.
وجود الغذاء لا يضمن الوصول إليه
و تكفي المعلومات المتاحة للجزم بأن السلطات تختلق أرقام الأموال أو معدلات المخزونات، و من المشروع التشكيك في خطاب يساوي توافر السلع بتحسن المعيشة. فقد أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى استمرار الغلاء والنقص رغم التدخلات الحكومية، وإلى أن تراجع العملة والأزمة الاقتصادية سبقا الحرب أيضًا. ولذلك، فإن معاناة الإيرانيين نتاج عوامل متراكمة فاقمتها المواجهة والعقوبات وتعطل التجارة، وليست مسألة مخازن ممتلئة أو فارغة وحدها.
الدواء والتعليم يدفعان الفاتورة
تتجاوز الأزمة مائدة الطعام. فقد نقلت رويترز شهادات إيرانيين يعجزون أحيانًا عن شراء أدوية لأقاربهم، وآخرين اضطروا إلى مغادرة طهران بسبب الإيجارات. وروى أحدهم أنه لم يستطع شراء حقيبة مدرسية لحفيده، فاكتفى بدفتر وأقلام. كما وثقت منظمة «أكابس» أضرارًا طالت المستشفيات والمدارس وشبكات المياه، واضطراب الخدمات الأساسية والوصول إلى الأدوية نتيجة القتال وتعطل الواردات.
المال العام يحتاج إلى مساءلة
عندما تعلن الحكومة امتلاك الموارد، يجب أن تسأل: كم يصل منها إلى المستشفيات والمدارس ودعم الأسر؟ وكم يذهب إلى الإنفاق العسكري والأجهزة والالتزامات الخارجية؟ لا تسمح المصادر المذكورة بالقول إن جميع الأموال تخص النظام والفصائل وحدها، لكن غياب توزيع واضح وقابل للرقابة يبرر المطالبة بالشفافية. فتمويل الدولة لا يساوي تلقائيًا رفاه المجتمع، واستمرار القدرة العسكرية لا يثبت نجاح السياسة الاقتصادية.

اضطراب يتجاوز حدود إيران
تمتد تداعيات الحرب إلى الاقتصاد العالمي. فقد أدت اضطرابات إمدادات النفط والغاز من الخليج إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والوقود، بينما ارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 4% خلال أكتوبر. وتتحمل القيادة الإيرانية مسؤولية خياراتها التي تزيد التصعيد، لكن تحميلها وحدها جميع الآثار يتجاهل دور العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية والعقوبات والحصار في تعميق الأزمة. وتحتاج المحاسبة الجادة إلى تحديد مسؤولية كل طرف، لا اختزال الحرب في سبب واحد.
المعيار هو حياة المواطن
لا تتوافر هنا حصيلة موثقة تسمح بتحديد كلفة الحرب الإيرانية بالدولار، لكن آثار الاستنزاف واضحة في الأسعار والخدمات وحياة الأسر. وعلى القيادة تقديم المواطن على متطلبات استمرار المواجهة، والعمل لإنجاح تسوية توقف الخسائر. وفي المرة المقبلة التي تتحدث فيها السلطات عن الأموال، ينبغي سؤالها عما تغير في حياة الناس. فالثروة التي لا تخفف الجوع والمرض والخوف لا تكفي دليلًا على قوة البلاد أو سلامة خياراتها.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : هجمات هرمز.. البحارة والمدنيين يدفعون ثمن التصعيد