تتحرك إيران مجددًا عبر وسطاء لفتح طريق نحو إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، في إعتراف عملي بأن إستمرار المواجهة أصبح مكلفًا إقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا. فقد أعلن محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن طهران نقلت إلى واشنطن عبر الوساطة القطرية مجموعة شروط لوقف الحرب، وأنها تنتظر رد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ولا يعني ذلك أن مفاوضات مباشرة أو اتفاقًا نهائيًا قد بدأ بالفعل. فالطرفان ما زالا يختلفان حول شروط التهدئة، فيما تصر طهران على ربط أي عودة للتفاوض بوقف الحرب، وإطلاق أموالها المجمدة، وإنهاء الحصار البحري المفروض على موانئها. لكن مجرد نقل شروط رسمية عبر قطر يعكس أن القنوات الدبلوماسية عادت إلى الواجهة بعدما أظهرت أشهر القتال أن الصراع لا يمكن أن يستمر بلا ثمن متصاعد.
الحرب تضغط على الداخل الإيراني
واجهت إيران في الأشهر الماضية ضغوطًا كبيرة على صادراتها النفطية، وقدرتها على الحصول على العملة الصعبة، وإمكانية استيراد السلع والمواد اللازمة للاقتصاد. كما أدى الحصار البحري والعقوبات إلى تعقيد حركة التجارة وتأخير وصول بعض البضائع، في وقت يعاني فيه المواطنون أصلًا من ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية وتراجع فرص العمل.
وتتحمل العائلات الإيرانية العبء الأكبر من هذه الأزمة. فالحرب لا تبقى في ساحات القتال أو في التصريحات السياسية؛ بل تظهر في أسعار الغذاء والدواء والنقل، وفي تراجع قيمة الدخل، وفي صعوبة حصول الشركات على المواد الأولية، وفي خوف الشباب من مستقبل اقتصادي غير واضح. لذلك، فإن أي قرار بإطالة المواجهة يضاعف معاناة الناس قبل أن يحقق أي مكسب سياسي للنظام.

هرمز وأمن الطاقة العالمي
يشكل مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، ولذلك أدى الإغلاق الفعلي أو التهديد المستمر للملاحة فيه إلى اضطراب شديد في أسواق النفط. وأعلنت طهران أن المضيق سيبقى مغلقًا إلى أن تستجيب الولايات المتحدة لشروطها، بينما أكدت القيادة المركزية الأميركية أنها ساعدت على عبور نحو مليار برميل من النفط عبر الممر خلال الشهرين الماضيين وأنها أزالت ألغامًا من مسارات العبور الرئيسية.
ومع ذلك، فإن استمرار المخاطر في المضيق وتهديد السفن وخطوط الإمداد يرفعان كلفة الشحن والتأمين، ويؤثران في أسعار الخام والوقود. وقد تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل خلال موجة التصعيد، قبل أن يتراجع قليلًا إلى نحو 103 دولارات مع ظهور مؤشرات على تعافي بعض الإمدادات السعودية واحتمال استئناف المسار الدبلوماسي.
ولا يصح تحميل إيران وحدها كل أسباب ارتفاع أسعار الوقود، فأسعار الطاقة تتأثر أيضًا بالحرب والعقوبات والحصار البحري والمخاوف من استهداف منشآت الطاقة والقرارات التجارية للدول الكبرى. لكن إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز، وهو قرار أو تهديد ارتبط بالموقف الإيراني، يمثل عاملًا مباشرًا يفاقم القلق في السوق ويدفع الأسعار إلى الأعلى.
سياسة تضر إيران قبل غيرها
قد تراهن طهران على أن الضغط على الطاقة العالمية سيجبر واشنطن وشركاءها على تقديم تنازلات. إلا أن هذه الاستراتيجية تحمل نتيجة عكسية: فهي ترفع تكلفة المعيشة في دول المنطقة والعالم، لكنها في الوقت نفسه تقلص قدرة إيران على تصدير نفطها، وتحرم اقتصادها من الإيرادات التي يحتاج إليها لتمويل الغذاء والدواء والخدمات العامة.
وتشير تقارير أميركية إلى أن الحصار البحري أدى إلى بقاء عشرات الملايين من براميل الخام الإيراني داخل الخليج ومنع صادرات إيرانية كبيرة، ما يجعل استمرار أزمة هرمز عبئًا على طهران بقدر ما يمثل ضغطًا على الآخرين.
التفاوض هو الطريق الأقل كلفة
لا يوجد منتصر حقيقي في حرب تطول وتتحول فيها الممرات البحرية وأسواق الطاقة إلى أدوات ضغط. فكل يوم من التصعيد يزيد المخاطر على المدنيين، ويضرب الاقتصاد، ويؤخر الاستقرار الذي يحتاجه الإيرانيون ودول المنطقة.
إن العودة إلى تفاوض جدي، قائم على حماية الملاحة ووقف الهجمات وخفض التصعيد، تمثل الخيار الأقل كلفة. ويحتاج أي اتفاق إلى ضمان أمن السفن والتجارة والطاقة، واحترام القانون الدولي، وتخفيف المعاناة عن المدنيين. فالشعب الإيراني لا يحتاج إلى مزيد من العزلة أو ارتفاع الأسعار، بل إلى حل يضع الاستقرار والعيش الكريم فوق منطق الحرب المفتوحة.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضأً : إغلاق المركز الفرنسي في طهران: إعتداء على الثقافة والدبلوماسيين