لا تقتصر المخاوف المتعلقة بأنشطة الحرس الثوري الإيراني والفصائل الحليفة له على المواجهات العسكرية المباشرة في الشرق الأوسط. فالتقارير الأميركية الحديثة والعقوبات المفروضة على سفن وشركات ووسطاء تشير إلى وجود شبكات بحرية ومالية تعمل على تصدير النفط بعيداً عن العقوبات، وتأمين موارد لبرامج التسليح، ودعم جماعات مسلحة في المنطقة. وتطرح هذه الأنشطة أسئلة جدية حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، وشفافية تجارة الطاقة، وكلفة الصراع التي يدفعها المدنيون في إيران ودول الجوار.

أسطول الظل والنفط الخاضع للعقوبات
يطلق وصف «أسطول الظل» على السفن التي تستخدم ترتيبات تشغيل وملكية معقدة لإخفاء مصدر الشحنات أو وجهتها أو الأطراف المستفيدة منها. وتتهم وزارة الخزانة الأميركية شبكات مرتبطة بإيران باستخدام ناقلات وشركات مسجلة في ولايات قضائية مختلفة لنقل النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية إلى أسواق خارجية، في التفاف على العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني.
وفي فبراير/شباط 2026، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي عقوبات على أكثر من 30 فرداً وكياناً وسفينة. وشملت الإجراءات 12 سفينة قالت واشنطن إنها نقلت منتجات نفطية إيرانية بمئات ملايين الدولارات، من بينها سفن نقلت شحنات إلى شرق آسيا وبنغلادش وباكستان وتركيا.
وتعتمد هذه الشبكات، وفق تقارير العقوبات، على شركات واجهة، وتغيير مالكي السفن أو أعلامها، وتعدد الوسطاء، ومناورات تخفي المنشأ التجاري للحمولات. ولا تثبت هذه الأساليب، في كل حالة، وقوع جريمة مستقلة أمام محكمة دولية، لكنها تزيد مخاطر التهرب من العقوبات والغموض في تجارة النفط، وتضع شركات الشحن والتأمين والمصارف أمام مخاطر قانونية ومالية كبيرة.
هرمز بين الملاحة والابتزاز
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالمياً؛ فقد مر عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط وسوائل الوقود. ولذلك، فإن أي تدخل مسلح أو قيود غير قانونية على العبور لا يمس إيران أو دول الخليج وحدها، بل ينعكس على أسعار الطاقة والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي مايو/أيار 2026، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ما سمّته «هيئة مضيق الخليج الفارسي». واتهمتها بأنها واجهة تدير، بالتنسيق مع الحرس الثوري والبحرية التابعة له، مخططاً يفرض رسوماً على السفن التجارية مقابل المرور الآمن، ويطلب منها تقديم بيانات تشغيلية حساسة والالتزام بمسارات تحددها جهات إيرانية.
وتصف واشنطن هذه الممارسات بأنها ابتزاز بحري وانتهاك لحرية الملاحة. لكن هذه تظل اتهامات رسمية أميركية في سياق صراع سياسي وعقوبات متبادلة، ويجب على أي معالجة صحافية مهنية أن تنسبها بوضوح إلى مصدرها، وألا تقدمها كحكم قضائي نهائي من دون تحقيق مستقل.

شبكات التمويل والتسليح
تقول الخزانة الأميركية إن عائدات تجارة النفط الخاضعة للعقوبات لا تعود بالضرورة إلى الاقتصاد الإيراني أو الخدمات العامة، بل تستخدمها السلطات الإيرانية في تمويل الحرس الثوري، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأجهزة الأمن، وجماعات حليفة في المنطقة. وتنفي طهران عادة الاتهامات التي تربط صادراتها النفطية بتمويل الإرهاب أو تقويض استقرار الدول الأخرى.
وشملت عقوبات فبراير/شباط شبكات في إيران وتركيا والإمارات، قالت واشنطن إنها سهلت شراء مواد أولية وآلات حساسة لبرامج الصواريخ والأسلحة التقليدية والطائرات المسيّرة. كما اتهمت الوزارة هذه الشبكات بدعم انتشار الطائرات غير المأهولة خارج إيران، عبر وسطاء ماليين وتجاريين يعملون خارج القنوات الرسمية.
ويكشف هذا النمط أن النشاط غير المشروع لا يبدأ في البحر ولا ينتهي عند الميناء. فهو يعتمد على تمويل عابر للحدود، ووثائق تجارية معقدة، وشركات تسجيل، ومصارف، وموردين للمعدات. ويصعّب هذا التشابك مهمة الحكومات التي تحاول تطبيق العقوبات ومنع انتقال السلاح إلى جماعات مسلحة.
أين تقف قضية تهريب البشر؟
من الضروري التزام الدقة في هذا الملف. فتهريب المهاجرين والاتجار بالبشر يشكلان مشكلتين حقيقيتين في طرق بحرية عدة حول العالم، لكن الأدلة العلنية المتاحة التي راجعتها لا تثبت وجود شبكة بحرية تابعة للحرس الثوري في مضيق هرمز متخصصة في تهريب البشر.
لذلك، لا يصح دمج تهريب البشر تلقائياً مع الأدلة المتعلقة بتجارة النفط أو نقل السلاح. ويمكن للصحافة المسؤولة أن تناقش مخاطر الجريمة البحرية المنظمة، لكنها يجب أن تميز بين الوقائع الموثقة، والاتهامات السياسية، والملفات التي ما زالت تفتقر إلى أدلة مستقلة كافية.
كلفة تتجاوز السياسة
تؤثر شبكات التهريب والابتزاز البحري في حياة الناس بصورة مباشرة. فهي ترفع أخطار الاحتجاز والمواجهة البحرية، وتزيد كلفة التأمين على السفن، وتعرض البيئة لخطر التسرب النفطي عندما تعمل بعض السفن في ظروف تشغيل وتأمين غير شفافة. كما تؤدي إلى توتر سياسي وأمني قد ينعكس على أسعار الوقود والغذاء والنقل.
ويظل المواطن الإيراني أحد المتضررين من هذه السياسات. فبدلاً من توجيه الموارد إلى الاقتصاد، وفرص العمل، والبنية الصحية والتعليمية، تتهم الولايات المتحدة النظام الإيراني بتخصيص جزء من العائدات لشبكات عسكرية ووكلاء مسلحين. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يزدهر بصورة مستدامة حين يستبدل التجارة الشفافة والاندماج الاقتصادي بمنظومات سرية وصراعات إقليمية.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : انسحاب المملكة العربية السعودية من مشروع إم بريدج: نكسة للبنية المالية البديلة في الصين