إيران بين الأمس واليوم… كيف تغيّرت مكانة المواطن الايراني؟

💬0


تُعد إيران واحدة من أقدم الحضارات في العالم، إذ يمتد تاريخها لآلاف السنين، وكانت عبر العصور مركزاً للعلم والأدب والفنون والتجارة. وقد أنجبت شخصيات خالدة مثل حافظ الشيرازي، وسعدي، والفردوسي، وعمر الخيام، الذين تركوا بصمة في الثقافة الإنسانية جمعاء. كما إشتهر الشعب الإيراني بحبه للعلم، وإعتزازه بهويته الوطنية، وإنفتاحه على الفنون والآداب، إلى جانب إمتلاكه واحدة من أغنى الثقافات في الشرق الأوسط.

صورة لمواطن إيراني
صورة لمواطن إيراني/المصدر/Pixabay

قبل قيام الثورة الإسلامية عام 1979، كانت إيران تمر بمرحلة من التحديث الإقتصادي والصناعي . فقد شهدت البلاد توسعاً في مشاريع البنية التحتية، وإنشاء المصانع، وتطوير قطاع النفط والغاز، بالإضافة إلى نمو سريع في الناتج المحلي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. كما أصبحت طهران واحدة من أكثر مدن المنطقة جذباً للإستثمارات الأجنبية، وإرتفع مستوى التعليم، وبدأت الجامعات الإيرانية تكتسب مكانة مرموقة في المنطقة. وتشير الدراسات الإقتصادية إلى أن الإقتصاد الإيراني كان من بين الأسرع نمواً في العالم خلال عقد الستينيات، مدفوعاً بالإصلاحات والإستثمارات وعائدات النفط.

لكن هذه الصورة لم تكن مثالية بالكامل. فقد تعرض نظام الشاه لإنتقادات واسعة بسبب التضييق على المعارضة السياسية، وإتساع الفجوة بين الطبقات، وتركّز التنمية في المدن الكبرى مقارنة بالمناطق الريفية. كما ساهمت القبضة الأمنية وغياب المشاركة السياسية في تصاعد الإحتقان الشعبي الذي إنتهى بقيام الثورة الإسلامية عام 1979.

مع قيام الجمهورية الإسلامية، تغيرت أولويات الدولة بصورة جذرية. فقد ركز النظام الجديد على الهوية الدينية والإستقلال السياسي، كما توسعت الخدمات الأساسية في كثير من المناطق الريفية، وشهدت قطاعات الصحة والتعليم تحسناً ملحوظاً مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة، خاصة خارج المدن الكبرى. ويشير باحثون إلى أن معدلات الفقر والأمية إنخفضت في العقود الأولى بعد الثورة نتيجة توسع الخدمات العامة.

في المقابل، واجه الإقتصاد الإيراني تحديات متراكمة خلال العقود اللاحقة، شملت الحرب العراقية الإيرانية، والعقوبات الدولية، وتقلب أسعار النفط، إضافة إلى السياسات الإقتصادية الداخلية. ونتيجة لذلك، تباطأ النمو الإقتصادي بشكل كبير مقارنة بالفترة السابقة للثورة، كما إرتفعت معدلات التضخم والبطالة، وتراجعت قيمة العملة الوطنية بصورة حادة، وأصبحت القدرة الشرائية للمواطن الإيراني أقل بكثير مما كانت عليه في فترات إزدهار الإقتصاد. وتشير بيانات إقتصادية إلى أن متوسط النمو الإقتصادي خلال العقود التي أعقبت الثورة كان أقل بكثير من متوسط النمو خلال العقدين السابقين لها.

ولم تقتصر التغييرات على الإقتصاد وحده، بل إمتدت إلى الحياة الإجتماعية والثقافية. فقد فرضت قوانين أكثر تشدداً على المظهر العام، والإعلام، والأنشطة الثقافية، وإزدادت القيود على حرية التعبير والتنظيم السياسي. ويرى كثير من الإيرانيين، وخاصة فئة الشباب، أن هذه القيود أثرت في شعورهم بالحرية الفردية وفرصهم في تحقيق طموحاتهم داخل البلاد، وهو ما ساهم في زيادة معدلات الهجرة بين أصحاب الكفاءات والمهنيين.

صورة تجسيدية لصورة لمواطن إيراني
صورة تجسيدية لصورة لمواطن إيراني /المصدر/Pixabay

ورغم ذلك، لا يزال الشعب الإيراني يحافظ على هويته الثقافية العريقة. فالإيرانيون معروفون بتقديرهم للتعليم، ونجاحهم في مجالات الطب والهندسة والعلوم والفنون، سواء داخل إيران أو في المهجر. وقد أثبتت الجاليات الإيرانية حول العالم قدرتها على الإبداع والإندماج وتحقيق نجاحات بارزة، مما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها المجتمع الإيراني عندما تتوفر له البيئة المناسبة.
ويعتقد منتقدو النظام الحالي أن السياسات الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية أضعفت الإقتصاد، وعزلت إيران عن كثير من فرص الإستثمار والتعاون الدولي، وأثرت في مستوى معيشة المواطنين وفي شعورهم بالأمل بالمستقبل. في المقابل، يرى مؤيدو النظام أن الضغوط الخارجية والعقوبات لعبت دوراً رئيسياً في هذه الأوضاع، وأن تقييم أداء الدولة لا يمكن فصله عن تلك الظروف.

في النهاية، تبقى إيران دولة ذات تاريخ عريق وثقافة غنية وشعب يتمتع بقدرات كبيرة. وبين إنجازات الماضي وتحديات الحاضر، يستمر الجدل حول أفضل طريق لمستقبل البلاد. لكن ما يتفق عليه كثيرون هو أن الشعب الإيراني يستحق إقتصاداً أكثر إزدهاراً، وفرصاً أوسع للإبداع والعمل، وبيئة تتيح له الإستفادة الكاملة من إمكاناته الحضارية والإنسانية، بما يعيد لإيران مكانتها كإحدى أبرز دول المنطقة في الثقافة والاقتصاد والإبتكار.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : معجزة ولادة جديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *