إن الامتناع عن العودة إلى طاولة المفاوضات في زمن الحرب لا يمكن إعتباره موقفًا مبدئيًا أو إنتصارًا سياسيًا بحد ذاته. عندما تتعرض البلاد للقصف، وتتراجع التجارة، وتتوقف الإستثمارات، وتصبح حياة الناس رهينة التضخم ونقص السلع والخوف من التصعيد، يصبح التفاوض واجبًا وطنيًا. فالهدف الأول لأي حكومة مسؤولة يجب أن يكون حماية شعبها، لا إطالة صراع يُقاس ثمنه بأرواح المدنيين ومستقبل الأجيال.

شهدت الأشهر الماضية محاولات لوقف القتال بين إيران والولايات المتحدة، من بينها مذكرة تفاهم في يونيو 2026 تعهدت بإنهاء العمليات العسكرية وفتح مسار نحو اتفاق نهائي. لكن المهلة المحددة للتوصل إلى تسوية انقضت دون اتفاق، في ظل تبادل الطرفين الاتهامات بخرق الترتيبات وغياب مفاوضات مباشرة فعالة. وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي القول إن “لا شيء للتفاوض عليه”، لأن وجود الحرب نفسه هو سبب كافٍ للتفاوض: حماية المدنيين، وقف التصعيد، تأمين الملاحة، وإعادة فتح الطريق أمام الاستقرار الاقتصادي.
ما الذي يمكن التفاوض عليه؟
التفاوض لا يعني التخلي عن السيادة أو القبول بالإملاءات. إنه وسيلة لتحديد المصالح، ووضع الضمانات، ومنع الانزلاق إلى خسائر أكبر. تستطيع أي عملية تفاوضية جادة أن تبحث في وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتبادل الضمانات الأمنية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفع القيود التي تخنق التجارة، وترتيبات تخفيف العقوبات، وخطوات التحقق المتبادل. هذه قضايا عملية تمس حياة ملايين البشر، وليست تفاصيل ثانوية يمكن تجاهلها.
في المقابل، يعكس رفض التفاوض أو وضع شروط قصوى تمنع بدايته خطرًا كبيرًا: تحويل الحرب إلى حالة دائمة. فكل جولة تصعيد جديدة تعني خسائر بشرية أكبر، وتدميرًا إضافيًا للبنية التحتية، ومزيدًا من العزلة السياسية والاقتصادية. كما أن إغلاق مسارات الحوار لا يحمي كرامة الدول؛ بل قد يمنح القوى المتشددة في كل طرف فرصة لتوسيع الصراع على حساب الشعوب.
المواطن يدفع الثمن
الشعب الإيراني هو الطرف الأقل قدرة على تحمّل كلفة استمرار الحرب. فالاضطرابات في التجارة البحرية والعقوبات والتوتر العسكري تؤثر في تدفق المواد الحيوية، و المواد الخام وسلاسل الإمداد، وتضع مزيدًا من الضغط على الخدمات العامة. وتشير دراسة حديثة إلى أن العقوبات أضعفت مرونة شتى الانظمة الحيوية الإيرانية، وأن اضطراب التجارة البحرية في أزمة 2026 زاد صعوبة إستيراد الاغدية ومدخلات إنتاجها.

ولا تقتصر الكلفة على التغدية فقط. حين تتراجع إيرادات التصدير وتزداد تكلفة النقل والتأمين والتمويل، يصبح الحصول على العملة الصعبة أكثر صعوبة، ويزداد الضغط على قيمة العملة والأسعار والأجور. المواطن الذي يكافح لتأمين الغذاء والسكن والملبس لا يربح من الخطابات التصعيدية، ولا تعوّضه شعارات القوة عن راتب يفقد قيمته أو فرص عمل تختفي.
إذا كانت السلطة الإيرانية تضع رفاه المواطنين في صدارة أولوياتها، فإن الطريق المنطقي هو السعي إلى مفاوضات جادة تنهي الحرب وتخفف العزلة وتعيد فتح المجال أمام التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار. التفاوض الناجح لا يحل كل المشكلات فورًا، لكنه يمنع الأسوأ ويخلق مساحة للناس كي يستعيدوا حياتهم.
أولوية بقاء السلطة
لكن منتقدي النظام الإيراني يرون أن استمرار التوتر يخدم، في بعض الأحيان، هدفًا مختلفًا: حماية بنية السلطة نفسها وتبرير القبضة الأمنية وإبعاد النقاش العام عن الفشل الاقتصادي والاجتماعي. لا يمكن الجزم بأن جميع قرارات الدولة تُتخذ بدافع واحد، لكن النتيجة العملية لرفض التسوية واضحة: بقاء الناس تحت الضغط، وبقاء الاقتصاد محاصرًا، وإتساع المسافة بين إيران والعالم.
إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على رفض الحوار، بل بقدرتها على إنتزاع إتفاق يحمي سيادتها ويحفظ حياة مواطنيها. إيران لا تحتاج إلى حرب أطول كي تثبت وجودها؛ تحتاج إلى قيادة تجعل حياة الإيرانيين وإستقرار المنطقة أولوية تتقدم على حسابات البقاء في السلطة.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : إذا تجاوز العالم مضيق هرمز