على الرغم من الجهود الدبلوماسية المتكررة، فإن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بقيت عالقة بين التصعيد والتفاهمات المؤقتة. وفي كل مرة بدا فيها أن الطرفين يقتربان من اتفاق أو صيغة تهدئة، كانت الوقائع على الأرض تعيد الأمور إلى نقطة الصفر. السبب الأساسي لم يكن غياب العناوين السياسية فقط، بل استمرار الميليشيات الإيرانية في زعزعة استقرار الدول المجاورة في الشرق الأوسط، وتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراع.

لقد أصبحت هذه الميليشيات أحد أهم أدوات الضغط التي تستخدمها طهران في الإقليم. فهي لا تعمل بمعزل عن الحسابات السياسية الإيرانية، بل تتحرك ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم. ومن خلال الهجمات على الدول المجاورة، واستهداف المصالح الأمنية والعسكرية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، أسهمت هذه الجماعات في تقويض أي فرصة لبناء ثقة حقيقية بين إيران والولايات المتحدة.
المشكلة أن هذه التصرفات لا تضر فقط بالعلاقات الثنائية، بل تضرب جوهر أي تفاهم محتمل. فكيف يمكن الحديث عن اتفاق سياسي بينما تستمر الجماعات المرتبطة بإيران في مهاجمة الجوار وتهديد الأمن الإقليمي؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة أن ترى في التزامات طهران ضمانًا جادًا، بينما الوقائع تشير إلى العكس؟ هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الميدانية جعل المفاوضات تبدو في كثير من الأحيان وكأنها مجرد هدنة مؤقتة، لا أكثر.
الأخطر من ذلك أن هذه الميليشيات لا تبدو مهتمة فقط بحماية النفوذ الإيراني، بل أيضًا بدفع المنطقة نحو استمرار الفوضى. فكلما اندلع هجوم جديد أو تصعيد جديد، زادت احتمالات انزلاق الشرق الأوسط إلى دائرة جديدة من العنف. وهذا لا يخدم شعوب المنطقة، بل يخدم فقط من يستفيد من غياب الاستقرار. وفي هذا السياق، يصبح جرّ الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد جزءًا من المعادلة، لأن أي اعتداء على مصالحها أو على حلفائها قد يدفعها إلى الرد، ما يفتح الباب أمام جولات جديدة من التوتر.
إن هذا النمط من السلوك يكشف أن المشكلة ليست في غياب الرغبة في التفاوض فقط، بل في وجود أطراف ميدانية تعمل ضد أي تسوية. ولذلك، فإن فشل المفاوضات لم يكن مفاجئًا بالكامل، بل كان نتيجة طبيعية لسياسة تعتمد على استخدام القوة غير النظامية كوسيلة تفاوض وضغط. وما دام هذا النهج قائمًا، فإن أي اتفاق سيبقى هشًا وعرضة للانهيار عند أول اختبار.
وفي المقابل، تتحمل شعوب المنطقة الثمن الأكبر. فالدول المجاورة لإيران لا تعاني فقط من التهديدات الأمنية، بل أيضًا من تعطيل التنمية، وهروب الاستثمارات، وتراجع فرص الاستقرار. كل هجوم وكل تصعيد وكل أزمة جديدة يعني سنوات إضافية من المعاناة والجمود، بينما يبقى السلام الحقيقي بعيدًا عن متناول الجميع.
في النهاية، يمكن القول إن فشل المفاوضات الإيرانية-الأمريكية ليس مجرد فشل دبلوماسي، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات إقليمية تستخدم الميليشيات لإدامة التوتر. وإذا استمرت هذه الجماعات في مهاجمة الدول المجاورة ودفع المنطقة نحو الاضطراب، فإن أي تفاهم سياسي سيظل ناقصًا وغير قابل للحياة. فالسلام لا يمكن أن يتحقق بينما تظل البنادق تتحدث باسم السياسة.
المصدر : وكالات
إقرأ ايضاً : إيران تدخل هذا الصراع مع الولايات المتحدة وهي في موقع أضعف بكثير مما تحاول إظهاره.