نفط الخليج يتجاوز الضغوط الإيرانية.. وأزمة هرمز تتعمق

💬0

تواصل دول الخليج تصدير جزء متزايد من نفطها إلى الأسواق العالمية عبر مسارات بديلة ومرافئ خارج مضيق هرمز، في وقت تواجه فيه إيران عزلة اقتصادية أشد وتراجعاً في قدرتها على تصدير الخام. وفي المقابل، أخفقت أحدث محاولة للتوصل إلى اتفاق يفتح المضيق أمام الملاحة التجارية، ما يهدد بإطالة الأزمة وتعميق آثارها الاقتصادية على إيران والمنطقة والعالم.

صورة لسفينة بمضيق هرمز/المصدر/Pexels
صورة لسفينة بمضيق هرمز/المصدر/Pexels

دول الخليج تبحث عن بدائل

دفعت تهديدات إيران وهجماتها على السفن في مضيق هرمز دول الخليج إلى تسريع خطط تنويع مسارات التصدير. واعتمدت السعودية والإمارات بشكل أكبر على خطوط الأنابيب والمرافئ الواقعة على السواحل المطلة على بحر العرب وخليج عُمان، كما عززت الدولتان قدراتهما في الموانئ والبنية اللوجستية لتقليل الاعتماد على الممر البحري المضطرب.

وأكد مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش أن صادرات الطاقة والتجارة الإماراتية لن تبقى «رهينة»، مشيراً إلى توسع الدولة في طاقة الموانئ على ساحلها الشرقي وربطها بخطوط أنابيب وشبكات نقل وممرات تجارية بديلة. وتساعد هذه الإجراءات دول الخليج على حماية إمداداتها وعلاقاتها التجارية مع العملاء في آسيا وأوروبا، رغم أن البدائل لا تستطيع تعويض الدور الكامل الذي يؤديه مضيق هرمز.

وتشير تقارير إلى أن القوات الأميركية ساعدت في مرافقة بعض الناقلات غير الإيرانية، ما ساهم في رفع صادرات الطاقة الإقليمية إلى نحو ثلثي مستوياتها السابقة للحرب. لكن عودة التدفقات إلى مستوياتها الطبيعية تحتاج إلى ضمانات أمنية مستدامة، لا إلى ترتيبات مؤقتة تحت ضغط التهديدات.

تراجع موقع النفط الإيراني

تواجه إيران قيوداً واسعة على مبيعات النفط وشبكات الشحن والتمويل المرتبطة بها. وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن عائدات شبكات النفط الإيرانية تمول الحرس الثوري والقوات المسلحة وأنشطة تصنفها واشنطن كتهديد لأمن الشركاء الإقليميين، بما في ذلك دعم جماعات مسلحة وهجمات على الجوار.

وقد أدى هذا الواقع إلى زيادة عزلة النفط الإيراني في الأسواق، بينما تسعى دول الخليج إلى حماية صادراتها والمحافظة على سمعتها كمورد أكثر استقراراً. ولا يعني ذلك أن اختفاء النفط الإيراني من الأسواق العالمية كامل أو دائم، لكنه يعكس ارتفاع المخاطر القانونية والسياسية والتجارية التي تواجه الشركات والمشترين عند التعامل مع الخام الإيراني في ظل العقوبات الأميركية.

والنتيجة لا تقتصر على النظام. فكل تراجع في إيرادات الدولة يضيّق هامش الإنفاق العام ويزيد الضغوط على الأسر الإيرانية، التي تتحمل بالفعل آثار التضخم وضعف العملة وصعوبة الوصول إلى فرص العمل والاستثمار. ومع ذلك، تواصل السلطة إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري والشبكات المسلحة بدلاً من تبني مسار اقتصادي يركز على حياة المواطنين واستقرارهم.

فشل مفاوضات هرمز

رفضت واشنطن أحدث مقترح إيراني لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام. وربطت طهران فتح الممر برفع الحصار البحري عن موانئها، وتخفيف العقوبات النفطية، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، إلى جانب وقف أوسع للأعمال القتالية. لكن الولايات المتحدة رفضت المقترح، بينما يواصل الوسطاء محاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين.

وفشلت حتى الآن عدة محاولات لإعادة مرور السفن بأمان عبر المضيق. وقد تسبب استمرار التوتر في خفض حركة الشحن بشكل كبير، ورفع تكلفة التأمين والنقل، وإلحاق ضرر بالاقتصاد العالمي وبالاقتصاد الإيراني على السواء.

ولا يكفي إعلان الاستعداد للحوار إذا ربطت طهران حرية الملاحة بشروط سياسية واقتصادية تجعل الممر الدولي أداة مساومة. فالملاحة الآمنة في هرمز مصلحة جماعية، ولا ينبغي أن تخضع لرسوم أو إملاءات أو تهديدات عسكرية.

صورة تعبيرية لتراجع إنتاج النفط بإيران/المصدر/Pexels
صورة تعبيرية لتراجع إنتاج النفط بإيران/المصدر/Pexels

طريق مختلف متاح لإيران

تملك إيران من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهلها لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو، لكنها تحتاج إلى تغيير في الأولويات والسياسات. ويمكن أن يبدأ ذلك بوقف تهديد الملاحة، وخفض التوتر مع الجيران، والتخلي عن دعم الميليشيات والجماعات المسلحة التي عمقت أزمات العراق وسوريا ولبنان واليمن، وفق اتهامات الحكومات الغربية.

كما تحتاج طهران إلى بناء ثقة تسمح بعودة الاستثمار والتجارة النظامية، بدلاً من الاعتماد على شبكات مالية ونفطية سرية تعرّض البلاد لعقوبات إضافية. وتطلب هذه الخطوات التزاماً عملياً بالقوانين الدولية ووقف الأنشطة التي تمنح القوى الخارجية مبررات لتشديد العقوبات.

المواطن الإيراني يدفع الكلفة

لا تخدم سياسة التصعيد المواطن الإيراني. فكل أزمة في هرمز، وكل تهديد جديد للسفن أو للدول المجاورة، يرفع تكلفة عزلة إيران ويؤخر أي فرصة للتعافي الاقتصادي. وبينما تعزز دول الخليج ممراتها التجارية وتبني بدائل لصادراتها، تخاطر طهران بأن تتحول من دولة تملك موقعاً استراتيجياً وموارد كبيرة إلى اقتصاد محاصر بسياسات اختارتها قيادتها.

إن ازدهار الإيرانيين لا يتطلب إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، بل يحتاج إلى دولة تضع التنمية والتجارة والاستقرار فوق سياسة الوكلاء المسلحين والمواجهات المفتوحة.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : طهران وتهديد النفط العالمي: سياسة إبتزاز تدفع ثمنها المنطقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *