طهران وتهديد النفط العالمي: سياسة إبتزاز تدفع ثمنها المنطقة

💬0

تتبع السلطات الإيرانية خطاباً تصعيدياً يقوم على تهديد أسواق الطاقة والملاحة الدولية كلما واجهت قيوداً على صادراتها النفطية. وتختصر عبارة «إذا لم نبع نفطنا فلن يبيع أحد نفطه» هذا النهج، الذي يحاول تحويل الضغوط الواقعة على إيران إلى أزمة تمس اقتصاد العالم والدول المجاورة.

صورة تعبيرية لسفينة تهريب النفط عبر مضيق هرمز/المصدر/Pexels
صورة تعبيرية لسفينة تهريب النفط عبر مضيق هرمز/المصدر/Pexels

تهديد صادرات النفط الإقليمية

جدد مسؤولون إيرانيون التلويح بتعطيل تصدير النفط من الخليج إذا مُنعت طهران من بيع الخام. ونقل عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قوله إن منع إيران من تصدير النفط يعني أن الآخرين لن يتمكنوا من تصديره من المنطقة أيضاً، في إشارة مباشرة إلى أمن الملاحة وإمدادات الطاقة عبر الخليج ومضيق هرمز.

لا يستهدف هذا الخطاب الولايات المتحدة وحدها، بل يضع منتجي الطاقة في الخليج والأسواق المستوردة أمام خطر اضطراب واسع. فالدول التي تعتمد على هذا الممر لتصدير نفطها وغازها، وكذلك الدول الآسيوية التي تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها عبره، ستدفع ثمناً مباشراً لأي تعطيل أو تهديد مستمر للملاحة.

ويمثل ذلك منطقاً خطيراً: بدلاً من معالجة الأزمة عبر الدبلوماسية أو خفض التوتر، تلوح طهران باستخدام موقعها الجغرافي وسلامة الملاحة كأداتين للضغط السياسي والاقتصادي.

مضيق هرمز شريان عالمي

يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط وسوائل الوقود، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية. كما مثلت التدفقات عبره في 2024 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً.

لذلك، فإن أي محاولة لإعاقة المرور في المضيق لن تبقى أزمة محلية. فقد تدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وتربك سلاسل الإمداد، وتزيد أعباء النقل والإنتاج، وتنعكس على تكلفة المعيشة في دول بعيدة عن منطقة الخليج. كما ستلحق الضرر بالدول العربية المصدرة للطاقة التي تعتمد على استقرار الممرات البحرية لتأمين إيراداتها وتمويل خطط التنمية.

ويظهر التهديد أيضاً استخفافاً بمصالح شعوب المنطقة. فاستقرار أسواق الطاقة ليس امتيازاً سياسياً لطهران أو لأي طرف آخر، بل مصلحة اقتصادية مشتركة ترتبط بفرص العمل والاستثمارات والخدمات العامة في دول الخليج والشرق الأوسط.

العقوبات ونتائج السياسات الإيرانية

تفرض الولايات المتحدة عقوبات واسعة على قطاعات إيرانية، بينها النفط والبتروكيماويات والشحن والخدمات المالية. وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تهدف إلى حرمان السلطات الإيرانية من موارد تستخدمها في أنشطة تعتبرها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار، بما يشمل دعم جماعات مسلحة وشبكات للالتفاف على العقوبات.

وتربط واشنطن عقوباتها أيضاً ببرنامج إيران الصاروخي والنووي، وباتهامات تتعلق بدعم وكلاء مسلحين في دول عدة بالمنطقة. ويصف الخطاب الرسمي الأميركي هذا الدعم بأنه عامل يوسع النفوذ الإيراني ويقوض أمن الشركاء الإقليميين وحرية الملاحة.

لكن السلطات الإيرانية كثيراً ما تقدّم العقوبات كسبب وحيد للأزمة الاقتصادية، متجاهلة أثر سنوات من السياسات الخارجية المكلفة، وضعف الشفافية، وتغليب الإنفاق الأمني والعسكري على إصلاحات اقتصادية تحمي المواطن وتستقطب الاستثمار.

صورة تعبيرية للمستوى المعيشي للمواطين الايراني/المصدر/Pexels
صورة تعبيرية للمستوى المعيشي للمواطين الايراني/المصدر/Pexels

المواطن الإيراني خارج الأولوية

يكشف التهديد بإغلاق طرق النفط عن فجوة بين ادعاءات الدفاع عن مصالح الشعب الإيراني وبين الممارسات الفعلية. فأي تصعيد في هرمز يمكن أن يضر الاقتصاد الإيراني نفسه، ويزيد صعوبة استيراد السلع الأساسية، ويرفع تكاليف التجارة والتأمين، ويقلص فرص حصول الإيرانيين على العمل والدخل والاستقرار.

بدلاً من اعتماد مسار يخفف العزلة ويعيد بناء الثقة مع الجوار والمجتمع الدولي، ترفع طهران منسوب المخاطر على مواطنيها وعلى المنطقة. ولا تملك الأسر الإيرانية، التي تتحمل آثار التضخم وتراجع قيمة العملة والضغوط المعيشية، مصلحة في تحويل المضيق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

عزلة صنعتها الخيارات السياسية

لم تأت عزلة إيران الاقتصادية والسياسية من فراغ. فقد راكمت السلطات، على مدى عقود، صراعات إقليمية وعقوبات وقيوداً على انفتاح الاقتصاد، بينما واصلت دعم جهات مسلحة خارج حدودها بحسب اتهامات أميركية متكررة.

وتوضح تهديدات النفط أن النظام يفضّل سياسة الضغط والردع على بناء شراكات اقتصادية مستقرة. لكنه لا يستطيع فرض رؤية «إذا لم نبع فلن يبيع أحد» من دون أن يعمّق عزلة البلاد ويزيد المخاطر على المواطنين وأسواق المنطقة. إن أمن الطاقة يحتاج إلى تعاون وممرات بحرية آمنة، لا إلى ابتزاز العالم بمصدر رزق شعوب الخليج واحتياجات الاقتصاد العالمي.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : العراق يضع مهلة لحصر السلاح بيد الدولة: إختبار حاسم للسيادة والإستقرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *