أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تحديد 30 يونيو/حزيران 2027 موعداً نهائياً لمعالجة ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، في خطوة تضع حكومته أمام اختبار سياسي وأمني معقد. ويأتي الإعلان بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق، ما يجعل نجاح بغداد في ضبط السلاح غير النظامي عاملاً أساسياً في تثبيت الاستقرار ومنع أي فراغ أمني.

خارطة طريق لإنهاء السلاح خارج الدولة
قال الزيدي إن الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026 يمثل بداية مرحلة جدية لمعالجة ملف السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة. وأكد أن حكومته ستعمل وفق خارطة طريق وجداول زمنية متفق عليها، تنتهي في موعد أقصاه 30 يونيو/حزيران 2027.
ويرتكز هذا التوجه على مبدأ دستوري واضح: يجب أن تحتكر المؤسسات الرسمية قرار الحرب والسلم. فلا يمكن للدولة أن تحمي مواطنيها أو تبني علاقات مستقرة مع جيرانها والعالم إذا احتفظت جماعات مسلحة بقدرة مستقلة على تنفيذ عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ أو طائرات مسيرة خارج سلطة الحكومة.
ولا يعني حصر السلاح إلغاء دور العراقيين الذين قاتلوا تنظيم «داعش» أو تجاهل التضحيات التي قدمتها قوات الحشد الشعبي والقوات الأمنية. لكنه يطرح مسألة تنظيم هذا السلاح وإخضاعه لسلسلة قيادة وطنية واضحة، وللقانون وللقائد العام للقوات المسلحة، بحيث تعمل كل القوى المسلحة تحت مظلة الدولة وحدها.
مرحلة جديدة بعد رحيل التحالف
أنهى التحالف الدولي بقيادة واشنطن مهمته في العراق بعد سنوات طويلة من العمل العسكري والاستشاري ضد تنظيم «داعش». ويرى كثير من العراقيين أن هذا الانسحاب يمثل محطة مهمة في استعادة القرار الوطني، لكنه يفرض في الوقت نفسه مسؤوليات أكبر على بغداد.
وأوضح رئيس الوزراء أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء التهديد الإرهابي. فتنظيم «داعش» فقد السيطرة على مناطق واسعة، لكنه ما زال يمتلك القدرة على استغلال الثغرات الأمنية وتنفيذ هجمات محدودة في بعض المناطق. لذلك، تحتاج القوات العراقية إلى الحفاظ على جاهزيتها وتطوير قدراتها الاستخباراتية والتقنية، بدلاً من السماح بتعدد مراكز القوة.
ويخشى مراقبون أن يسمح أي ضعف في التنسيق الأمني للفصائل المسلحة بتوسيع نفوذها، أو أن يخلق بيئة تساعد التنظيمات المتطرفة على إعادة تنظيم صفوفها. ولهذا لا تنفصل قضية حصر السلاح عن ملف حماية الحدود، وبناء أجهزة أمنية محترفة، وتبادل المعلومات، ومكافحة التمويل غير المشروع.
الفصائل المدعومة من إيران
تمتلك فصائل عراقية مقربة من إيران نفوذاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واسعاً. وتشير تقارير إلى أن بعض هذه الفصائل طورت قدرات في استخدام الطائرات المسيّرة، كما وسعت حضورها في قطاعات تجارية، بينها البناء والعقارات وشركات الصرافة.
ويمثل هذا النفوذ تحدياً مباشراً أمام أي حكومة تسعى إلى فرض سيطرة كاملة على السلاح. فالقضية لا تتعلق بالسلاح وحده، بل تشمل مصادر التمويل، وشبكات المصالح، والقدرة على التأثير في القرار السياسي، والارتباطات الإقليمية التي قد تدفع ببعض الجماعات إلى الانخراط في صراعات لا يختارها العراق.
وقد أعلنت فصائل في عام 2025 استعدادها لمناقشة تسليم أسلحتها لتفادي التصعيد، لكن هذه التصريحات لم تتحول إلى خطوات عملية. كما نقلت تقارير حديثة عن بعض الفصائل رفضها الالتزام بجدول زمني أو اتفاق يتعلق بتسليم السلاح. وهذا التباين يوضح حجم العقبات التي تواجه الحكومة قبل موعد يونيو/حزيران 2027.

ما الذي يحدد نجاح الخطة؟
تحتاج الحكومة العراقية إلى مقاربة قانونية وسياسية وأمنية متوازنة. فالمواجهة المباشرة قد ترفع احتمال التصعيد الداخلي، بينما يمنح التأجيل المفتوح الفصائل وقتاً أكبر لترسيخ نفوذها. لذلك، تستطيع بغداد بناء مسار تدريجي يبدأ بحصر حمل السلاح في المؤسسات الرسمية، وتسجيل الأسلحة، ودمج العناصر المؤهلة في القوات النظامية وفق معايير مهنية، وإنهاء النشاط العسكري المستقل.
كما ينبغي أن ترافق الخطة رقابة مالية صارمة على موارد الجماعات المسلحة، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية المسؤولين والصحفيين والناشطين من التهديد. ويحتاج العراق أيضاً إلى دعم إقليمي ودولي يحترم سيادته، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الخارجية.
مهلة سياسية لا تكفي وحدها
تمثل مهلة 30 يونيو/حزيران 2027 إعلان نوايا مهماً، لكنها لن تنجح بمجرد صدور بيان رسمي. إذ تحتاج الدولة إلى إرادة سياسية موحدة، وقرارات تنفيذية واضحة، ومؤسسات قادرة على تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
وإذا نجحت بغداد في جعل قرار الحرب والسلم حكراً على مؤسساتها الدستورية، ستخطو خطوة كبيرة نحو الاستقرار والسيادة والتنمية. أما إذا بقي السلاح خارج سلطة الدولة، فسيظل العراق معرضاً للتوترات الإقليمية، ولصراعات القوى المسلحة، ولخطر عودة الفوضى التي دفع العراقيون ثمناً باهظاً لها.
المصدر : وكالات
إقرأ ايضاً : قطاع الطاقة… شريان الإقتصاد السوري