تواجه مدينة سبتة الإسبانية أزمة إنسانية وقانونية مع بقاء آلاف المهاجرين، بينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين بذويهم، بعد عبور جماعي من المغرب في يوليو. وبينما تعلن الرباط استعدادها لاستقبال القاصرين المغاربة، تؤكد مدريد أن القانون يفرض تقييم كل حالة على حدة، وأن كثيرًا من الأطفال سيبقون تحت الحماية الإسبانية ما لم تتمكن السلطات من لمّ شملهم بأسرهم بصورة آمنة.

رحلة خطرة تحت حافلة فريق كرة قدم
سلطت واقعة شاب مغربي يبلغ 17 عامًا الضوء على المخاطر التي يواجهها القاصرون في محاولاتهم الوصول إلى البر الإسباني. اختبأ الفتى تحت حافلة فريق ريال بلد الوليد في منطقة المحور الخلفي قرب العجلات، ثم بقي مختبئًا خلال رحلة العبّارة من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، قبل أن تواصل الحافلة سيرها أكثر من 100 كيلومتر على الطريق السريع.
وعندما بدأ يفقد قواه، سمع ركاب الحافلة صراخه فطلبوا من السائق التوقف. وعثروا عليه منهكًا بعدما تعرض للبرد الشديد والإجهاد، ثم سلمته السلطات إلى الجهات المختصة. وتكشف هذه الحادثة كيف يدفع الخوف من الإعادة أو الرغبة في الوصول إلى أوروبا بعض القاصرين إلى خوض مخاطر قد تهدد حياتهم.
أعداد كبيرة وظروف صعبة
عبر أكثر من 80 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة عبور جماعية في يوليو، وفق أرقام نقلتها تقارير إعلامية عن السلطات الإسبانية. وغادر معظمهم المدينة لاحقًا، لكن الآلاف بقوا فيها، بينهم عدد كبير من القاصرين غير المصحوبين بذويهم. وتقدر الحكومة الإسبانية أن نحو 2,048 قاصرًا سُجلوا رسميًا في سبتة، بينما تتحدث تقديرات أخرى عن مئات أو آلاف القاصرين الذين لا يزالون في الشوارع أو خارج مراكز الرعاية.
وتحاول السلطات الإسبانية توفير المأوى والرعاية لهذه الفئة، لكنها تواجه ضغطًا كبيرًا على المرافق والخدمات المحلية. كما تطالب مدريد حكومات الأقاليم الإسبانية الأخرى باستقبال بعض القاصرين ونقلهم إلى البر الرئيسي لتخفيف العبء عن سبتة.

القانون يحمي مصلحة الطفل
لا تستطيع إسبانيا إعادة القاصرين غير المصحوبين بذويهم بشكل جماعي أو تلقائي. إذ يفرض القانون الإسباني والالتزامات الأوروبية والدولية تقييم مصلحة الطفل الفضلى في كل حالة، بما يشمل التحقق من هوية الطفل ووضعه العائلي وإمكان لمّ شمله بأسرته بصورة آمنة.
وأكدت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية، سيرا ريغو، أن معظم القاصرين يريدون البقاء في إسبانيا، وأن القانون يحميهم بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني. ولا تكفي رغبة القاصر وحدها لاتخاذ القرار، لكنها عامل ينبغي أن تأخذه السلطات في الاعتبار ضمن تقييم شامل لحالته.
اتفاق مع المغرب وتعاون محدود
وقعت إسبانيا والمغرب اتفاقية ثنائية تتناول إعادة القاصرين غير المصحوبين بذويهم، لكن تنفيذها يتطلب تعاونًا إداريًا دقيقًا وتحققًا من الروابط العائلية وضمانات فعلية لحماية الطفل بعد عودته. وأعلنت الرباط استعدادها لاستقبال القاصرين المغاربة، غير أن الحكومة الإسبانية تقول إن سرعة الاستجابة العملية لا تواكب التصريحات المعلنة.
وقالت سيرا ريغو إن المغرب لم يرد على نحو 600 ملف يتعلق بقاصرين موجودين في سبتة قبل موجة العبور الجماعي في يوليو، الأمر الذي يعطل جهود تحديد الأسر ولمّ الشمل. وفي الوقت نفسه، تعيد السلطات يوميًا عددًا من البالغين الذين يختارون العودة الطوعية، لكن القاصرين يحتاجون إلى إجراءات حماية أشد وتعامل فردي.
حماية الطفل قبل أي قرار
لا يتعلق مصير القاصرين في سبتة بالهجرة والسياسة وحدهما، بل بحقوق طفل يحتاج إلى المأوى والتعليم والرعاية الصحية والأمان. ويجب أن تضمن أي عودة إلى المغرب وجود أسرة قادرة على رعايته، أو ترتيب حماية مناسبًا، وألا تعيده إلى خطر الإهمال أو الاستغلال أو العنف.
وإذا تعذر لمّ الشمل أو لم تتوفر ضمانات الحماية، تبقي إسبانيا القاصر تحت نظام حماية الطفل وقد تنقله إلى مناطق أخرى داخل البلاد. فالحل لا يكمن في قرارات جماعية سريعة، بل في تعاون فعلي بين إسبانيا والمغرب، وتقييم فردي يحمي الطفل ويمنع تكرار الرحلات الخطرة التي قد تنتهي بمأساة.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : الهند تؤكد إلتزامها بتنويع مصادر الطاقة