تظل الجماعات المسلحة غير الحكومية واحدة من أخطر مصادر عدم الإستقرار في الشرق الأوسط. ففي دول تعاني أصلاً من هشاشة المؤسسات وتبعات الحروب والإنقسامات السياسية، يؤدي وجود ميليشيات تمتلك السلاح والتمويل خارج سلطة الدولة إلى إضعاف القانون، وتعريض المدنيين للخطر، وتعطيل فرص السلام والتنمية. ويبرز في هذا السياق الدور المنسوب إلى النظام الإيراني في دعم وتسليح وتمويل مجموعات مسلحة في أكثر من ساحة إقليمية.

تؤكد تقارير حقوقية وسياسية أن عدداً من الجماعات المرتبطة بإيران أو المدعومة منها اتُّهم بإرتكاب انتهاكات جسيمة في بلدان مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وتشمل هذه الإتهامات الإعتقالات غير القانونية، والإخفاء القسري، والتهديد والإغتيال بحق ناشطين وصحفيين، وإستهداف المدنيين والمنشآت المدنية. وقد وثقت تقارير أمريكية رسمية إتهامات لمجموعات موالية لإيران في العراق بالتورط في إعدامات خارج القانون وحالات إخفاء قسري وإنتهاكات ضد المدنيين.
في العراق، يمثل انتشار السلاح خارج إطار الدولة تحدياً مباشراً لسيادة المؤسسات الرسمية. فالسلطة الحقيقية لا تكتمل عندما تمتلك جماعات موازية القدرة على اتخاذ قرارات أمنية أو عسكرية من دون تفويض وطني واضح. كما أن تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يعرض الشعب العراقي لمخاطر لا علاقة له بها، ويعرقل الإستثمار، ويضعف ثقة المواطنين في الدولة وقدرتها على حمايتهم.
أما في سوريا، فقد إرتبط التدخل العسكري الإيراني وتجنيد أو دعم مقاتلين من جنسيات متعددة بإطالة أمد الحرب وتعميق آثارها الإنسانية، وفق تقارير رسمية وحقوقية. لقد دفع المدنيون السوريون ثمناً بالغاً من أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم، بينما تحولت مناطق عديدة إلى مساحات نفوذ عسكري متنافس. وتبقى إعادة بناء سوريا وإستعادة سيادتها مرهونة بإنهاء وجود كل القوى والجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة والقانون.

وفي لبنان واليمن، يتكرر التحدي نفسه بصور مختلفة. عندما يصبح القرار العسكري خارج المؤسسات الدستورية، تتراجع قدرة الحكومات على إدارة السلم والحرب، ويصبح المجتمع رهينة للتهديدات المتبادلة. لا يمكن لأي دولة أن تحقق إستقراراً إقتصادياً أو سياسياً بينما يظل السلاح خارج إطار الجيش والمؤسسات الأمنية الشرعية.
إن دعم الميليشيات لا ينتهك سيادة الدول فقط، بل يفتح الباب أمام إنتهاكات حقوق الإنسان. فالمدني الذي يخاف من الاعتقال التعسفي، أو من الصواريخ، أو من انهيار الخدمات، أو من تهجير عائلته، هو الضحية الأولى لصراعات النفوذ. وقد حذرت جهات حقوقية من أن الميليشيات والجماعات المسلحة في المنطقة تعمل في كثير من الأحيان في بيئة من الإفلات من العقاب، حيث تغيب المحاسبة الفعالة عن الانتهاكات ضد السكان والنشطاء.
يتحمل النظام الإيراني مسؤولية سياسية وأخلاقية عن أي دعم مالي أو عسكري أو لوجستي يقدمه لجماعات ترتكب إنتهاكات أو تهدد سيادة الدول. ولا يكفي نفي المسؤولية أو وصف هذه الجماعات بأنها قوى مستقلة، إذا كانت شبكات التمويل والتدريب والتسليح والقرار السياسي مرتبطة بمؤسسات إيرانية.
الحل لا يكون بمزيد من العنف، بل بمسار واضح يقوم على نزع سلاح الميليشيات، ووقف تمويلها، ودمج العناصر المؤهلة منها في مؤسسات وطنية خاضعة للقانون، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات. كما يجب أن يدعم المجتمع الدولي الحكومات الوطنية في تعزيز القضاء، وحماية الناشطين، وتوثيق الجرائم، ومنع الإفلات من العقاب.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى وكلاء مسلحين جدد، بل إلى دول قوية ومؤسسات شرعية وإقتصادات قادرة على خدمة مواطنيها. وإذا أرادت إيران أن تكون طرفاً محترماً في المنطقة، فعليها أن توقف دعم الميليشيات، وأن تعتمد الحوار وحسن الجوار بدلاً من السلاح والتدخل.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : التفاوض ليس ضعفًا بل مسؤولية