الوجه الآخر لأزمة الهجرة في ليبيا

💬0

تحولت أزمة الهجرة في ليبيا إلى مصدر توتر متصاعد في طرابلس، بعدما إمتدت إحتجاجات مناهضة لما يصفه بعض المحتجين بـ«التوطين» إلى مراكز تقدم خدمات إنسانية للاجئين والمهاجرين. وتعرضت مرافق تابعة للأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة لإقتحامات واعتداءات عطلت وصول أشخاص ضعفاء إلى الرعاية الصحية والمساعدة القانونية والحماية.

قارب للمهاجرين في سواحل ليبيا/المصدر/Pexels
قارب للمهاجرين في سواحل ليبيا/المصدر/Pexels

مريضة تبحث عن علاج وسط الفوضى

دخلت فاطمة محمود، وهي مهاجرة سودانية تبلغ 27 عامًا، إلى مركز خدمات تابع للمنظمة الدولية للهجرة في طرابلس بحثًا عن طبيب لابنتها التي تعاني مرضًا مزمنًا. لكنها وجدت نفسها وسط صراخ وتدافع بعد اقتحام أشخاص للمركز، وفق شهادتها لوسائل إعلام.

وتعيش فاطمة في ليبيا منذ عام 2023، بعد أن فقدت زوجها في البلاد قبل نحو عامين ولم تعرف مصيره حتى الآن. وتعيل فاطمة ابنتيها وحدها، وتعاني الطفلتان مشكلات صحية مزمنة. وتوضح شهادات المهاجرين أن تعطيل المراكز الإنسانية لا يوقف نشاطًا إداريًا فقط، بل يقطع عن الأسر خدمات طبية ونفسية وحماية أساسية.

إقتحام مركز إنساني في طرابلس

في 7 سبتمبر، اقتحم محتجون مركز خدمات تابعًا للمنظمة الدولية للهجرة في منطقة السياحية غرب طرابلس. وأظهرت مقاطع مصورة متداولة أشخاصًا يدخلون المرفق بالقوة ويخرجون الموجودين منه، فيما تحدثت تقارير عن تخريب أثاث وممتلكات داخل المبنى.

وأدانت الأمم المتحدة هذه الحوادث ووصفتها بأنها أعمال عدوانية عرّضت المهاجرين والموظفين للخطر. كما حذرت من أن العنف ضد المرافق الإنسانية يحد من قدرة المنظمات على تقديم المساعدات للفئات الأكثر هشاشة، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضًا أو إعاقات.

صورة تعبيرية لإحتجاجات المواطنيين ضد المهاجرين بليبيا/المصدر/Pexels
صورة تعبيرية لإحتجاجات المواطنيين ضد المهاجرين بليبيا/المصدر/Pexels

إحتجاجات «لا للتوطين»

بدأت موجة الاحتجاجات في يونيو، عندما تجمع مئات الأشخاص أمام مقار المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبعثة الأمم المتحدة في طرابلس. أغلق المحتجون مداخل بعض المكاتب بالأتربة والحواجز، ورفعوا شعارات تطالب بترحيل المهاجرين الذين دخلوا ليبيا بصورة غير نظامية وإغلاق مكاتب المنظمات الدولية.

ويعبر كثير من الليبيين عن مخاوف حقيقية تتصل بالحدود والاقتصاد والبطالة والخدمات العامة والأمن. لكن معالجة هذه الملفات تحتاج إلى سياسات هجرة واضحة، ومراقبة فعالة للحدود، وتعاون دولي، ونقاش مسؤول يستند إلى الحقائق. أما اقتحام المراكز الإنسانية أو استهداف أشخاص بسبب جنسيتهم أو لونهم أو وضعهم القانوني، فيفاقم الخوف والعنف ولا يقدم حلًا عمليًا لأزمة الهجرة.

أرقام تضع الجدل في سياقه

تتداول بعض الجهات أرقامًا مرتفعة جدًا عن أعداد المهاجرين في ليبيا، لكن أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أحصت 943,748 مهاجرًا في 100 بلدية و641 تجمعًا محليًا خلال مارس وأبريل 2026. ولا تشمل هذه البيانات بالضرورة كل من مروا عبر البلاد أو جميع الفئات الموجودة فيها، لكنها توفر تقديرًا منهجيًا أكثر دقة من الأرقام المتداولة بلا توثيق.

وتؤكد الأمم المتحدة أن أجهزتها لا تدير برنامجًا لتوطين المهاجرين أو اللاجئين داخل ليبيا. وتوضح أن المفوضية تعمل بالتنسيق مع السلطات الليبية لإيجاد حلول خارج البلاد للفارين من الحرب والاضطهاد، مثل الإجلاء إلى دول ثالثة أو العودة الطوعية عندما تسمح الظروف بذلك.

خطاب الكراهية يهدد الجميع

حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من انتشار معلومات مضللة وخطاب كراهية وتحريض يستهدف المهاجرين واللاجئين والعاملين في المجال الإنساني. وتؤدي هذه الروايات غير الدقيقة إلى خلق مناخ من العداء والتهديد والعنف، كما حدث خلال الاحتجاجات والهجمات على بعض المرافق.

يحتاج الليبيون إلى حماية سيادتهم وحدودهم ومصالحهم، لكن ذلك لا يتعارض مع احترام كرامة الإنسان وحقه في العلاج والأمان. إن مكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية تبدأ بتطبيق القانون على شبكات التهريب، وتحسين إدارة الحدود، ودعم الاقتصاد والخدمات المحلية، ومحاسبة من يحرض على العنف. فليبيا لن تعالج أزمتها بإغلاق أبواب المساعدة أمام المرضى والأطفال، بل بسياسة واقعية وإنسانية تحمي المجتمع الليبي وتحترم الحقوق الأساسية للجميع.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : فرنسا: غطاء رأس طبي يثير جدلًا حول العلمانية والحق في التعليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *