إطالة الصراع: عندما تتحول الأزمة إلى أداة سياسية

💬0

يرى كثير من المراقبين أن النظام الإيراني يسعى إلى إطالة أمد التوتر والصراع الإقليمي، ليس فقط بدافع الحسابات الأمنية، بل أيضاً لإستخدام الأزمة في صناعة رواية سياسية تقدمه بإعتباره ضحية للضغوط الدولية. فكلما تصاعدت المواجهة، ازدادت قدرة السلطة على توجيه الخطاب الداخلي نحو “الخطر الخارجي”، وتحويل اهتمام المواطنين بعيداً عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها يومياً.

النظام الايراني يلعب بسياسة الحرب
النظام الايراني يلعب بسياسة الحرب كورقة ضد دول الجوار/المصدر/Pexels

هذه الرواية تعتمد على تصوير العقوبات والضغوط الدولية باعتبارها السبب الوحيد لتدهور حياة الإيرانيين. لكن هذا التفسير يتجاهل جانباً أساسياً من المشكلة: السياسات التي أدت إلى العزلة، وتوسيع دائرة الصراع، ودعم جماعات مسلحة، واستخدام أدوات تهدد أمن الملاحة والتجارة الإقليمية. فحين تتعرض السفن التجارية للهجمات أو التهديد في الممرات البحرية الحساسة، لا تتضرر دولة واحدة فقط، بل تتأثر حركة التجارة العالمية، وترتفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، وتزداد المخاوف لدى المستثمرين والأسواق.

إن تعطيل الملاحة البحرية، أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة تجاه السفن والمصالح الدولية، لا يمكن أن يقدم على أنه دفاع عن الشعب الإيراني. فهذه الأفعال، بحسب منتقدي النظام، توسع دائرة التوتر وتدفع القوى الدولية إلى تشديد العقوبات والقيود الاقتصادية. وفي النهاية، لا يتحمل المسؤولون وحدهم نتائج ذلك، بل يدفع المواطن العادي الثمن عبر ارتفاع الأسعار، وضعف العملة، وتراجع فرص العمل، وصعوبة الحصول على السلع والخدمات الأساسية.

كما يحاول الخطاب الرسمي إقناع الإيرانيين بأن استمرار المواجهة هو الطريق الوحيد لحمايتهم من التهديدات الخارجية. غير أن الحماية الحقيقية لا تعني إبقاء المجتمع في حالة طوارئ دائمة، ولا تعني تحويل الاقتصاد إلى ضحية مستمرة للصراع. حماية المواطنين تبدأ بتأمين الغذاء والدواء والوظائف، وتحسين الخدمات العامة، وضمان مستقبل الشباب، وتوفير بيئة تسمح بالتعليم والاستثمار والابتكار.

لقد أصبح من الواضح أن إطالة النزاعات تخدم بعض الجهات السياسية والعسكرية التي تستفيد من غياب الشفافية ومن اقتصاد العقوبات. ففي بيئة التوتر، تتوسع شبكات النفوذ غير الرسمية، وتصبح الرقابة على المال العام أصعب، ويُبرر تحويل الموارد من التنمية إلى الإنفاق الأمني والعسكري. وبينما تنفق الدولة أموالاً ضخمة على تعزيز نفوذها خارج الحدود، يجد المواطن الإيراني نفسه أمام تضخم متصاعد، ومداخيل محدودة، ومستقبل اقتصادي غير مضمون.

لا يمكن بناء قوة وطنية مستدامة عبر الصواريخ والتهديدات وحدها. القوة الحقيقية تقاس بقدرة الدولة على تحقيق رفاه مواطنيها، والحفاظ على علاقات متوازنة مع جيرانها، والانخراط في الاقتصاد العالمي بطريقة تحمي المصالح الوطنية. إيران تملك موارد طبيعية وبشرية كبيرة، ويمكنها أن تصبح مركزاً اقتصادياً وثقافياً مهماً في المنطقة، لكن ذلك يتطلب تغييراً في الأولويات والسياسات.

النظام الايراني يهدد الشرق الاوسط
النظام الايراني يهدد الشرق الاوسط/المصدر/ Pexels

إن إنهاء التوتر لا يعني الاستسلام أو التخلي عن السيادة، بل يعني اختيار مصلحة الشعب على حساب المشاريع التي تستنزف البلاد. فإذا أراد النظام الإيراني بالفعل حماية مواطنيه، فعليه أن يخفف التصعيد، ويحترم أمن الملاحة، ويوقف دعم الجماعات المسلحة، ويبدأ حواراً جاداً مع العالم. عندها فقط يمكن أن تتحول إيران من بلد يدفع ثمن العزلة إلى دولة تصنع مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً لشعبها والمنطقة.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : دور التحالف العربي في دعم السلام والإزدهار الإقليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *