يبدو أن النظام الإيراني يواصل السير في طريق التصعيد، متجاهلا الكلفة الإنسانية والسياسية والاقتصادية التي يدفعها الشعب الإيراني وشعوب المنطقة. فبدلا من إعطاء الأولوية لحياة المدنيين، وتحسين ظروف المعيشة، وحماية أمن الدولة، يعتمد النظام خطابا متشددا وسياسات تقوم على المواجهة المستمرة، وكأن استمرار الأزمات أصبح وسيلة للحفاظ على نفوذه الداخلي والإقليمي.

وتتجلى هذه السياسة في استخدام الجماعات المسلحة والميليشيات التابعة لإيران أو المدعومة منها في عدد من دول الجوار. فهذه الجماعات لا تعمل بوصفها قوى مستقلة فحسب، بل تُستخدم في كثير من الأحيان كأدوات للضغط السياسي والعسكري، وتنفيذ عمليات ضد دول مجاورة، وفتح جبهات جديدة خارج الحدود الإيرانية. وبدل أن يقتصر الصراع على طرفين محددين، يتحول تدريجيا إلى أزمة إقليمية واسعة تهدد استقرار الشرق الأوسط بأكمله.
إن توسيع الحرب عبر الوكلاء يمنح النظام الإيراني قدرة على الإنكار والمناورة، لكنه في الوقت نفسه يزيد حجم الدمار ويضاعف معاناة المدنيين. فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والعمليات المسلحة تؤدي إلى سقوط ضحايا، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل التجارة، وتهديد الملاحة والطاقة، فضلا عن نشر الخوف بين السكان. وفي كل مرة تُفتح فيها جبهة جديدة، تتراجع فرص التهدئة، وتزداد احتمالات وقوع أخطاء أو حسابات خاطئة قد تقود إلى حرب مباشرة أوسع.
ولا يقتصر أثر هذا السلوك على دول المنطقة وحدها؛ فالشعب الإيراني نفسه يتحمل جانبا كبيرا من الثمن. إذ توجه موارد ضخمة إلى تمويل العمليات العسكرية ودعم الجماعات المسلحة، في وقت يعاني فيه المواطنون من التضخم، وتراجع قيمة العملة، والبطالة، وضعف الخدمات العامة. وكان من الممكن استخدام هذه الموارد في تطوير التعليم والصحة، وخلق فرص العمل، وتحسين الاقتصاد، بدلا من إنفاقها على صراعات خارجية لا توفر للإيرانيين حياة أكثر أمنا أو رفاهية.

ويبدو أن النظام يراهن على أن التصعيد سيعزز صورته كقوة إقليمية، ويصرف الانتباه عن أزماته الداخلية. غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة؛ فالقوة الحقيقية لا تقاس بعدد الجبهات المفتوحة، ولا بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وبناء اقتصاد مستقر، واحترام سيادة جيرانها، والمشاركة في حلول سياسية مسؤولة.
إن استمرار العناد ورفض التهدئة لن يؤدي إلا إلى عزل إيران وزيادة الضغوط عليها، كما سيعمّق الانقسامات ويقوض فرص التنمية في المنطقة. ولذلك، فإن وقف التصعيد، وإنهاء دعم الهجمات العابرة للحدود، والعودة إلى الحوار، ليست تنازلات، بل خطوات ضرورية لحماية حياة الملايين. فالأمن الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على الخوف، والازدهار لا يولد من الحروب، ولا يمكن لأي نظام أن يضمن مستقبله بتجاهل حياة الشعوب ومصالحها.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضأ : إيران والحوثيون: تصعيد يهدد اليمن والمنطقة والإقتصاد العالمي