لم تعد العقوبات الأميركية على إيران مجرد أداة ضغط مؤقتة تنتهي بتغير الإدارة في البيت الأبيض، بل تحولت إلى بنية متجذرة في النظام المالي والتجاري العالمي. فمع تراكم القوانين والقرارات التنفيذية والاتفاقات الدولية، باتت واشنطن تبني شبكة معقدة من القيود تجعل من الصعب على أي إدارة لاحقة التراجع الكامل عنها، حتى لو تغيرت الأولويات السياسية.

وقد طورت طهران على مدى العامين الماضيين استراتيجية بقاء اقتصادية تعتمد على تجاوز العقوبات لا على إلغائها. وشملت هذه الاستراتيجية توسيع استخدام “الأسطول الخفي” من ناقلات النفط التي تنقل الخام الإيراني عبر عمليات نقل بحري سفينة إلى سفينة، واستخدام أعلام ملاحية غامضة، وتغيير هويات السفن باستمرار. كما اعتمد النظام الإيراني بشكل متزايد على الأصول الرقمية والعملات المشفرة لتحويل الأموال وتجنب الرقابة المصرفية التقليدية، مستغلاً شركات واجهة في دول ثالثة لتصفية عائدات النفط وشراء سلع حساسة.
لكن هذه الآليات لا تعني أن العقوبات فقدت فعاليتها، بل إنها دفعت النظام إلى تكاليف باهظة وخصومات كبيرة على مبيعاته، ما قلص صافي إيراداته وأضعف قدرته على الإنفاق الداخلي والخارجي. ومع ذلك، فإن نجاح طهران الجزئي في البقاء اقتصادياً يعطي انطباعاً بأن العقوبات قد تصبح “وضعاً طبيعياً جديداً” يستمر لسنوات، بغض النظر عن هوية الرئيس الأميركي.
وهنا تكمن المفارقة: فكلما نجح النظام الإيراني في التكيف مع العقوبات، كلما زادت حجة المؤيدين لاستمرارها وتشديدها، بحجة أن “إيران تتعلم كيف تتجاوزها”. وهذا يخلق حلقة مفرغة حيث تصبح العقوبات أداة دائمة في السياسة الأميركية، تتجاوز الإدارات والأحزاب.
والأهم من ذلك، أن واشنطن نجحت في إقناع حلفائها وشركائها التجاريين بضرورة الانصياع لهذه العقوبات، خوفاً من عقوبات ثانوية قد تطال مؤسساتهم المالية وشركاتهم. وقد استهدفت العقوبات الأخيرة عشرات الكيانات في دول مثل الصين والإمارات وماليزيا وسنغافورة، مرسلة رسالة واضحة بأن التعاون مع إيران له ثمن باهظ.

وبهذا، فإن العقوبات لم تعد تعتمد فقط على الإرادة السياسية لإدارة معينة، بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية المالية العالمية التي يصعب تفكيكها. فحتى لو أرادت إدارة أميركية مستقبلية تخفيف الضغط، فإنها ستواجه مقاومة من الكونغرس ومن دول حليفة تفضل استمرار العزلة الاقتصادية لإيران.
في النهاية، قد لا تسقط العقوبات النظام الإيراني، لكنها ستظل قيداً دائماً على قدراته الاقتصادية والعسكرية، وتجبره على العيش في ظل اقتصاد موازٍ مكلف ومعزول. والسؤال المفتوح: إلى متى يمكن لنظام أن يبني استراتيجيته الوطنية على أساس البقاء تحت الحصار؟
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : عقوبات ترامب الجديدة: هل ستعزل النظام الإيراني اقتصادياً؟