تعيش إيران اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث، ليس بسبب ضغوط الخارج وحدها، بل أيضًا بسبب الخيارات السياسية التي اتخذها النظام الإيراني على مدى سنوات طويلة. فبدل أن تُوجَّه موارد الدولة إلى تحسين حياة المواطنين، وتطوير الاقتصاد، وفتح أبواب التعاون مع العالم، جرى استنزاف الأموال في صراعات خارجية، ومواجهات عسكرية، وسياسات عدائية مع الولايات المتحدة ودول الخليج. والنتيجة كانت واضحة: خسارة بشرية، وتراجع اقتصادي، وعزلة دولية خانقة.

إن الحرب، سواء كانت مباشرة أو عبر وكلاء، لا تترك وراءها سوى الخراب. ففي الحالة الإيرانية، لم تعد تكلفة المواجهة تُقاس فقط بما يُنفق على السلاح أو العمليات العسكرية، بل بما يخسره الإيراني العادي من دخله، وفرص عمله، واستقراره اليومي. التضخم، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، كلها نتائج طبيعية لسياسة تضع الصدام فوق التنمية. المواطن الإيراني هو الذي يدفع الثمن الحقيقي، بينما تستمر الدولة في تحويل الموارد نحو معارك لا تخدم احتياجات الناس الأساسية.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج يضاعف عزلة إيران عن العالم. فكلما توسعت المواجهة مع الولايات المتحدة، وكلما تصاعد التوتر مع دول الجوار في الخليج، ازدادت القيود على التجارة والاستثمار والتعاون المالي. ومع الوقت، تصبح إيران أكثر انفصالًا عن الاقتصاد العالمي، وأكثر اعتمادًا على أدوات الالتفاف والمقاومة بدل أدوات التنمية والانفتاح. وهذا المسار لا يمكن أن يستمر من دون تكلفة باهظة على المجتمع الإيراني كله.
في السنوات المقبلة، قد تواجه إيران تحديات أصعب إذا واصلت الابتعاد عن العالم وتبنّت سياسة تقوم على المواجهة الدائمة. فالدول التي تختار أن تعيش في حالة عداء مزمن مع محيطها ومع القوى الكبرى، تجد نفسها في نهاية المطاف محاصرة اقتصاديًا، ومكبلة سياسيًا، ومحرومة من فرص النمو. ومع ازدياد الضغوط، يصبح مستقبل الشباب الإيراني أكثر غموضًا، وتضيق آفاق التعليم والعمل والهجرة الشرعية والاستثمار. ومن هنا، فإن العزلة ليست مجرد موقف سياسي، بل عبء اجتماعي واقتصادي طويل الأمد.

بدلًا من استخدام الأموال لتحسين حياة المواطنين الإيرانيين، من خلال تطوير البنية التحتية، ودعم المستشفيات، ورفع مستوى التعليم، وتوفير وظائف كريمة، تُنفق السلطة موارد ضخمة على الدفاع عن نفوذها الإقليمي، ومواجهة الولايات المتحدة، وممارسة الضغط على الدول المجاورة في الخليج. وهذا الاختيار يكشف خللًا عميقًا في الأولويات؛ فالدولة التي تفضّل الصراع الخارجي على رفاه شعبها، إنما تستهلك مستقبلها بيدها.
إن الشعب الإيراني يستحق حياة أفضل من هذه الحلقة المغلقة من الحرب والعقوبات والعزلة. ويستحق أن تُستخدم ثروات بلاده لبناء مجتمع قوي ومزدهر، لا لتغذية صراعات تستنزف الأرواح والموارد. فكل يوم يمر على هذا النهج يعني مزيدًا من الفقر، ومزيدًا من الانقطاع عن العالم، ومزيدًا من الخسائر التي سيدفعها الإيرانيون لسنوات طويلة قادمة.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : إيران أمام موجة جديدة من العقوبات وسط تصاعد الاتهامات الإقليمية