النظام الإيراني بين العزلة الإقتصادية والتصعيد الإقليمي

💬0

يواجه النظام الإيراني ضغوطًا لاسيما إقتصادية و عسكرية متزايدة نتيجة موقعه الدولي المعزول، وما يرافقه من عقوبات وتراجع في الثقة السياسية والمالية مع كثير من الدول. هذا الواقع جعل طهران تبدو، في نظر عدد من المراقبين، كأنها دولة شبه منبوذة على الساحة العالمية، تعتمد أكثر فأكثر على أدوات التصعيد الإقليمي للحفاظ على حضورها ونفوذها وسط التحولات الدولية المتسارعة،أ و للإلتحاق بالركب العالمي .

خريطة الشرق الاوسط
خريطة الشرق الاوسط/المصدر/Pixabay

عزلة سياسية تنعكس إقتصاديًا

عندما تصبح الدولة في حالة توتر دائم مع المجتمع الدولي، فإن الكلفة لا تقتصر على السياسة الخارجية فقط، بل تمتد إلى الداخل أيضًا. فالعقوبات، وتراجع الإستثمارات، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الإقليمية و العالمية، كلها عوامل تضغط على الإقتصاد الإيراني وتضعف قدرته على توفير الإستقرار المعيشي لمواطنيه. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الضغط إلى أزمة معيشية ملموسة تمس الأسعار وفرص العمل والخدمات الأساسية.

وفي مثل هذا السياق، يصبح الحفاظ على “الحضور” الخارجي أولوية سياسية لدى السلطة، حتى لو جاء ذلك على حساب التنمية الداخلية. فبدل أن تواجه طهران أزماتها الإقتصادية عبر إصلاحات بنيوية، تلجأ في كثير من الأحيان إلى خطاب المواجهة وإلى توسيع مساحة نفوذها خارج الحدود.

التصعيد كأداة للبقاء

يرى بعض المحللين أن النظام الإيراني يستخدم التصعيد الإقليمي كوسيلة لإثبات أنه لا يزال لاعبًا لا يمكن تجاهله. فحين تشتد الضغوط الدولية أو تتغير موازين القوى في المنطقة، تميل طهران إلى إرسال رسائل عسكرية أو سياسية لدول الجوار، سواء عبر الحلفاء أو عبر التهديد المباشر أو غير المباشر.

هذا النهج لا يعكس بالضرورة قوة حقيقية بقدر ما يعكس رغبة في منع التهميش. فالدولة التي تشعر بأنها خاسرة في النظام العالمي قد تحاول التعويض بإظهار القدرة على الإرباك في محيطها، حتى تبقى جزءًا من الحسابات الكبرى. ومن هنا تأتي أهمية فهم أن بعض التحركات الإيرانية لا تُقرأ فقط بإعتبارها ردود فعل أمنية، بل أيضًا كوسيلة للبقاء في دائرة التأثير.

دول الجوار تحت الضغط

و بالمناسبة فأن دول الجوار، وخاصة في الخليج وبلاد الشام، كانت في أكثر من مرة ساحة لتداعيات هذا النهج. فبدل أن تسهم إيران في بناء بيئة تعاون إقليمي، إرتبط إسمها في كثير من الملفات بدعم جماعات مسلحة أو تأجيج صراعات أو زيادة مستوى التوتر مع الجيران. هذه السياسة تجعل المنطقة أكثر هشاشة، وتدفع الدول الأخرى إلى بناء سياساتها الدفاعية على أساس الخوف لا الثقة.

ومع كل تصعيد جديد، تتراجع فرص الحلول الدبلوماسية، ويزداد الشعور بأن إيران تستخدم محيطها الإقليمي كمنصة لتعويض تراجعها الدولي. وهذا ما يجعل كثيرين يعتقدون أن هدفها ليس فقط الردع، بل أيضًا إثبات أنها ما زالت قادرة على التأثير في مجريات الأحداث.

بين البقاء والتراجع

المعضلة الحقيقية للنظام الإيراني تكمن في أنه يحاول البقاء مؤثرًا في عالم يتغير بسرعة، لكنه يفعل ذلك بأدوات مكلفة تستنزف الداخل وتزيد العزلة. فكلما إشتدت الضغوط الإقتصادية، زاد الميل إلى الخطاب المتشدد والسلوك التصعيدي. وكلما زاد التصعيد، ازدادت عزلة البلاد وصعوبة إصلاح إقتصادها. إنها دائرة مغلقة تدفع المواطن الثمن الأكبر فيها.

صورة تعبيرية لعزلة النظام الايراني
صورة تعبيرية لعزلة النظام الايراني/المصدر/Pixabay

مستقبل مفتوح على الإحتمالات

يبقى السؤال المطروح: هل تستطيع إيران أن تكسر هذه الدائرة وتعيد صياغة علاقتها بالعالم والمنطقة، أمأنها ستواصل الاعتماد على سياسة الأزمات للبقاء في المشهد؟ إذا استمرت طهران في التعامل مع الجوار بوصفه ساحة نفوذ لا ساحة شراكة، فإن الضغوط الإقتصادية والسياسية ستزداد أكثر، وسيبقى الإستقرار بعيدًا عنها وعن المنطقة.

في النهاية، يبدو أن النظام الإيراني يواجه مفترق طرق حقيقيًا: إما الإنفتاح والإصلاح وإعادة بناء الثقة، أو الإستمرار في التصعيد بحثًا عن دور مؤقت في عالم لا ينتظر من لا يواكب التحولات.

المصدر: وكالات
إقرأ ايضاً: التنين المفقود: خوف، عجز أم خجل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *