تُعد العلاقة بين حزب الله والنظام الإيراني واحدة من أكثر العلاقات السياسية والعسكرية تأثيراً في الشرق الأوسط. وهي علاقة تتجاوز التقارب العقائدي أو الخطاب المشترك، إذ تقوم بدرجة كبيرة على تبادل المصالح: تقدم إيران التمويل والسلاح والتدريب والدعم السياسي، بينما يمنحها حزب الله نفوذاً واسعاً داخل لبنان وعلى الساحة الإقليمية. وتؤكد تقارير صحفية ودبلوماسية أن طهران دعمت الحزب مالياً وعسكرياً منذ تأسيسه في الثمانينيات، فيما تصفه الولايات المتحدة وحلفاؤها بأنه أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني خارج الحدود.

المال هو العنصر الأساسي في إستمرار هذه العلاقة. فتمويل إيران يساعد حزب الله على دفع الرواتب، وإدارة مؤسسات اجتماعية وإعلامية، والحفاظ على بنيته التنظيمية والعسكرية. وتشير تقديرات من وزارة الخزانة الأميركية، نقلتها تقارير إعلامية، إلى تحويلات مالية إيرانية كبيرة للحزب خلال عام 2025، رغم العقوبات المفروضة على طهران. لكن هذه الأموال لا تخدم الاقتصاد اللبناني أو مؤسسات الدولة بالضرورة، بل تعزز قدرة تنظيم مسلح على العمل باستقلال نسبي عن الحكومة.
أما السلاح، فهو الجانب الأكثر خطورة. فحزب الله يحتفظ بترسانة عسكرية منفصلة عن الجيش اللبناني، ويملك بنية تنظيمية وأمنية خاصة به. ويرى منتقدو الحزب أن هذا الواقع يجعل قرار الحرب والسلم في لبنان غير محصور بالكامل بالمؤسسات الدستورية. كما أن أي مواجهة إقليمية بين إيران وخصومها قد تنعكس مباشرة على لبنان، حتى لو لم يكن اللبنانيون راغبين في دخول صراع جديد.
يستفيد النظام الإيراني من وجود جماعات مسلحة متحالفة معه لأنها تمنحه قدرة على التأثير من دون الانخراط المباشر دائماً في المواجهات. هذه السياسة، التي يصفها خصوم طهران بسياسة “الوكلاء”، تخفض الكلفة السياسية والعسكرية المباشرة على إيران، لكنها تنقل المخاطر إلى شعوب ودول أخرى. فعندما تتوتر الجبهات في لبنان أو العراق أو اليمن أو سوريا، تصبح المجتمعات المحلية هي التي تتحمل الخسائر الإنسانية والاقتصادية.

لكن من الضروري تجنب التعميم على الأفراد أو وصفهم بأنهم غير متعلمين أو فقراء أو خارجون عن القانون. فالعناصر والبيئات التي تضمها الجماعات المسلحة ليست كتلة واحدة، وتختلف ظروفهم الاجتماعية والتعليمية والدوافع التي تدفع بعضهم إلى الانضمام. المسؤولية الأساسية تقع على القيادات التي تتخذ القرار، وعلى الجهات التي تموّل السلاح وتدير شبكات النفوذ، لا على المدنيين أو الفئات الاجتماعية التي قد تجد نفسها محاصرة بالفقر أو الخوف أو غياب البدائل.
المشكلة الكبرى في لبنان هي أن النفوذ المسلح يضعف فكرة الدولة. الدولة القوية هي التي تحتكر السلاح، وتخضع جميع القوى لسلطة القضاء، وتحدد سياساتها الخارجية عبر المؤسسات المنتخبة. أما عندما تمتلك جهة حزبية قدرات عسكرية مستقلة وتمويلاً خارجياً، فإن التوازن بين الدولة والتنظيمات المسلحة يصبح مختلاً، ويزداد شعور المواطنين بأن القرارات المصيرية لا تُتخذ دائماً وفق المصلحة الوطنية اللبنانية.
كما أن إستخدام القوة والتهديد لا يؤدي إلى الإستقرار، بل يخلق مناخاً من الخوف ويحد من الاستثمار ويؤدي إلى هجرة الكفاءات وتراجع فرص العمل. لبنان، الذي يعاني بالفعل من أزمة إقتصادية ومالية عميقة، يحتاج إلى مؤسسات عامة فعالة وإصلاحات حقيقية وعلاقات متوازنة مع الدول العربية والمجتمع الدولي، لا إلى أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
إن معالجة هذه الأزمة لا تكون بالتحريض أو بالعقاب الجماعي، بل بحوار لبناني جاد حول إستراتيجية دفاع وطنية وحصر السلاح بيد الدولة. كما تتطلب من إيران أن تحترم سيادة لبنان وأن تنقل علاقتها به من الدعم العسكري غير المباشر إلى تعاون دبلوماسي وغقتصادي شفاف. فالسلام والإستقرار لا يمكن أن يبنيا على المال والسلاح والسيطرة، بل على دولة تحمي كل مواطنيها وقرار وطني مستقل.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : الميليشيات المدعومة من إيران: كلفة النفوذ على شعوب الشرق الأوسط