تمر إيران بمرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع العزلة السياسية والتوترات الأمنية في المنطقة. ولم يعد ممكناً التعامل مع هذه التحديات باعتبارها مؤقتة أو ناتجة فقط عن عوامل خارجية؛ فاستمرار السياسات القائمة على المواجهة، وتوسيع النفوذ عبر أدوات عسكرية غير رسمية، والابتعاد عن قواعد التعاون الدولي، يضع البلاد أمام كلفة متصاعدة يدفعها المواطن الإيراني قبل أي طرف آخر.

الطريق إلى الخروج من الوضع الراهن يبدأ بمراجعة شاملة للأولويات الوطنية. تحتاج إيران إلى الانتقال من منطق الصراع الدائم إلى منطق التنمية والاستقرار، ومن توظيف الموارد في الأزمات الإقليمية إلى استثمارها في الاقتصاد، والبنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل. فبلد بحجم إيران، يمتلك موارد طبيعية كبيرة وقاعدة بشرية متعلمة وموقعاً جغرافياً مهماً، يمكن أن يكون قوة اقتصادية وتجارية مؤثرة إذا اختار الانفتاح بدلاً من العزلة.
أحد أهم الشروط لاستعادة الثقة الدولية هو التزام إيران الواضح بقواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول المجاورة. وهذا يقتضي أن يتخلى النظام الإيراني عن دعم الميليشيات الخارجة عن القانون والجماعات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدول ومؤسساتها الشرعية. فوجود هذه المجموعات في دول المنطقة لا يخلق أمناً دائماً لإيران، بل يزيد التوتر، ويضعف الثقة، ويفتح الباب أمام عقوبات وضغوط ومواجهات لا تخدم أحداً.
كما أن التخلي التدريجي والمنضبط عن مخزونات الأسلحة التي تهدد الاستقرار الإقليمي، وربط أي قدرات عسكرية بالاحتياجات الدفاعية المشروعة والالتزامات الدولية، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو خفض التصعيد. لا يعني ذلك حرمان إيران من حقها في حماية أراضيها، بل يعني بناء سياسة دفاعية شفافة ومسؤولة لا تعتمد على التهديد أو الانتشار غير المباشر للسلاح. الأمن الحقيقي لا يتحقق بتوسيع ساحات الصراع، بل بتقليل احتمالات الحرب ومنع الجماعات المسلحة من فرض أجنداتها على المنطقة.

في المجال الدبلوماسي، تحتاج طهران إلى فتح حوار جاد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، يقوم على التزامات قابلة للتحقق ومصالح متبادلة. ويمكن أن يشمل ذلك ضمان أمن الملاحة البحرية، ووقف تمويل وتسليح الجماعات المسلحة، وتعزيز التعاون في مكافحة التهريب والإرهاب، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للتجارة والاستثمار. إن اتفاقات واضحة ومستمرة أفضل بكثير من تفاهمات مؤقتة تنهار عند أول أزمة.
اقتصادياً، يمكن أن ينعكس هذا التحول بسرعة على حياة الإيرانيين. فخفض العقوبات وعودة الاستثمار الأجنبي وتسهيل التحويلات المصرفية وتوسيع صادرات الطاقة ستوفر موارد يمكن توجيهها إلى خفض التضخم، وتحسين قيمة العملة، وتطوير المستشفيات والمدارس وشبكات النقل. كما ستمنح الشباب الإيراني فرصاً أوسع للعمل والابتكار والتواصل مع الاقتصاد العالمي.
إن ازدهار إيران لا يتعارض مع أمن المنطقة، بل يمكن أن يكون جزءاً منه. إيران المستقرة والمنفتحة والقادرة على بناء علاقات طبيعية مع جيرانها ستكون أكثر قوة واحتراماً من إيران المعزولة والمحاصرة بالأزمات. الخيار الحقيقي أمام النظام الإيراني هو بين استمرار دورة العقوبات والتوتر، أو تبني مسار مسؤول يجعل إيران عضواً إيجابياً في المجتمع الدولي ويمنح شعبها والمنطقة فرصة حقيقية للسلام والرخاء
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : الشعب الايراني يدفع ثمن الحرب بالفقر و العزلة و ضياع الارواح