تبدو إيران، عبر أجهزتها العسكرية وشبكات الجماعات المسلحة المتحالفة معها، وكأنها تراهن على استراتيجية تقوم على رفع كلفة الصراع على الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط. فبدلًا من الاكتفاء بالمواجهة المباشرة، تسعى طهران إلى تهديد الملاحة البحرية، وتعطيل مسارات التجارة، واستهداف منشآت الطاقة، وتوسيع نطاق الضغوط الإقليمية. والهدف المفترض من هذه السياسة هو إقناع واشنطن بأن استمرار الصراع سيكون مكلفًا اقتصاديًا وسياسيًا، وأن اضطراب أسواق النفط والشحن سيؤدي في النهاية إلى ضغط غربي لإنهاء العقوبات أو تخفيف الحصار.

لكن الوقائع الاقتصادية تشير إلى أن هذا الرهان لم يحقق النتائج التي كانت تتوقعها القيادة الإيرانية. فحتى إذا تسبب التوتر في زيادة المخاطر على أسواق الطاقة أو رفع تكاليف التأمين والشحن، فإن الولايات المتحدة تمتلك اقتصادًا ضخمًا ومتنوعًا وقدرة واسعة على امتصاص الصدمات. كما أنها منتج رئيسي للطاقة وتملك سوقًا داخلية كبيرة، إلى جانب شبكة واسعة من الحلفاء التجاريين والماليين. وهذا لا يعني أن واشنطن محصنة تمامًا من ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب التجارة، لكنه يعني أن أدوات الضغط الإيرانية لا تؤثر فيها بالطريقة نفسها التي تؤثر بها في اقتصاد أكثر عزلة واعتمادًا على مورد واحد.
في المقابل، تواجه إيران وضعًا مختلفًا وأكثر هشاشة. فاقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط للحصول على العملات الأجنبية وتمويل الواردات. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن شحنات النفط الإيرانية تراجعت من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس إلى قرابة 240 ألف برميل يوميًا في أغسطس، بعدما أدت العقوبات والتدابير البحرية الأميركية إلى تعطيل وصول الخام الإيراني إلى الأسواق، بما في ذلك الصين التي كانت المشتري الرئيسي المتبقي للنفط الإيراني.
المواطن الايراني يدفع الثمن
إن تراجع صادرات النفط لا يبقى مشكلة مالية داخل الحكومة، بل يتحول إلى أزمة يومية للمواطنين. فعندما تقل إيرادات العملة الصعبة، تصبح الدولة أقل قدرة على تمويل الواردات ودعم العملة وتأمين السلع والمواد الأولية والأدوية. كما أن انخفاض موارد الدولة يدفعها إلى البحث عن حلول قصيرة الأجل، مثل زيادة طباعة النقد أو رفع أسعار الوقود وتقليص الدعم، ما يرفع التضخم ويضعف القوة الشرائية للأسر.
وقد أفادت مصادر إيرانية بأن القيود الجديدة جعلت الوصول إلى العملات الأجنبية واستيراد السلع وشبكات التمويل العالمية أكثر صعوبة. كما تراجعت الصادرات النفطية إلى مستويات متدنية، ما يهدد الاحتياطيات المالية ويزيد احتمال ارتفاع التضخم.
ولا يصح القول إن إيران لا تملك أي شريك أو أي وسيلة لشراء الاحتياجات الأساسية. فالصين ما زالت شريكًا تجاريًا مهمًا، وقد استخدمت طهران ترتيبات مقايضة وائتمانات مرتبطة بالنفط للحصول على سلع صينية، بما فيها مواد استهلاكية ومعدات. إلا أن هذه القنوات محدودة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر، ولا تعوض انقطاع القدرة الطبيعية على بيع النفط بحرية أو الوصول إلى النظام المالي العالمي.

الضرر يتجاوز حدود إيران
حين تستخدم جماعات مسلحة طائرات مسيّرة أو صواريخ لتهديد السفن ومنشآت الطاقة، تتأثر دول المنطقة أولًا. فالمخاطر تقع على العمال والمدنيين، وعلى أسواق العمل والاستثمار والسياحة، وعلى تكاليف الغذاء والنقل. كما أن تعطيل طرق التجارة في الخليج أو البحر الأحمر يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويضيف ضغوطًا تضخمية على اقتصادات لا علاقة لمواطنيها بقرارات الحرب.
لكن المفارقة أن تمديد الصراع يضر إيران أيضًا. فالاقتصاد الإيراني يحتاج إلى الاستقرار، والاستثمار، والأسواق، والتكنولوجيا، وليس إلى مزيد من العزلة. وكلما اتسعت العمليات العسكرية أو زادت الهجمات عبر الجماعات الحليفة، أصبحت العقوبات أشد، وصار تأمين الواردات والتمويل أكثر صعوبة.
رهان يحتاج إلى مراجعة
لا يمكن معالجة أزمة إيران بمزيد من التصعيد. فالولايات المتحدة تملك موارد نفطية واقتصادية وأسواقًا واسعة وقدرة أكبر على التكيف، في حين تواجه إيران قيودًا حادة على صادراتها ووارداتها وقدرتها المالية. لذلك، فإن محاولة رفع كلفة المواجهة على الغرب قد تنقلب إلى كلفة أكبر على الإيرانيين أنفسهم.
البديل الأكثر واقعية هو خفض التصعيد، وحماية الملاحة والمنشآت المدنية، وفتح قنوات تفاوض، وإعادة توجيه الموارد نحو الوظائف والإنتاج والتعليم والرعاية الصحية. فالشعب الإيراني يحتاج إلى اقتصاد قادر على تأمين الدواء والغذاء وفرص العمل، لا إلى استراتيجية حرب تجعله الطرف الأول الذي يدفع الثمن.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : إتهامات بمساعدة روسية لإيران تفتح بابًا جديدًا للتصعيد