الحرب والضغوط الإقتصادية تدفع الإيرانيين إلى مزيد من المعاناة

💬0

تدفع إيران ثمنًا اقتصاديًا وإنسانيًا باهظًا مع استمرار الحرب والضغوط الأمريكية المتصاعدة، بينما تصر القيادة في طهران على مواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة، إحدى أكبر القوى الاقتصادية والعسكرية في العالم. وبينما تُقدَّم هذه السياسة في الخطاب الرسمي بوصفها دفاعًا عن السيادة، تكشف حياة المواطنين اليومية أن الكلفة تقع بصورة أكبر على الأسر والعمال والمتقاعدين والشباب الباحثين عن فرصة عمل.

صورة تعبيرية لمواطن إيراني يعاني الفقر /المصدر/Pexels
صورة تعبيرية لمواطن إيراني يعاني الفقر /المصدر/Pexels

فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تراجعت قدرة طهران على تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية واستيراد كثير من السلع. وقد أدت العقوبات الأميركية والقيود البحرية على التجارة إلى زيادة صعوبة وصول الإيرادات إلى الحكومة والأسواق. ووفق مصادر إيرانية نقلتها وكالة رويترز، تراجعت قدرة البلاد على تأمين العملة الصعبة وشراء السلع، فيما أصبح متوسط الدخل الشهري بعيدًا عن تغطية تكاليف الاحتياجات الأساسية للأسر.

وتكشف المؤشرات الاقتصادية حجم الأزمة. فقد بلغ معدل التضخم الرسمي خلال 12 شهرًا نحو 69.9%، بينما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات والتبغ بوتيرة تقارب ضعف هذا المستوى. كما بلغ معدل البطالة الرسمي 9.1% في الربيع، بالتزامن مع انخفاض عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتفيد تقديرات حكومية بأن متوسط الراتب الشهري يبلغ قرابة 125 دولارًا، في حين تتجاوز كلفة الإنفاق الأساسي للأسرة 450 دولارًا شهريًا. وهذا يعني أن ملايين الأسر تعمل أو تتلقى معاشات، لكنها لا تستطيع تأمين الغذاء والدواء والسكن والاحتياجات اليومية بسهولة.

البطالة والفقر يتسعان

لا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى فقدان فرص العمل وتراجع القوة الشرائية وانهيار قيمة الريال. وتشير تقارير صحفية إلى أن أكثر من مليون وظيفة فُقدت خلال الأشهر الأولى من الحرب، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بأكثر من 5% خلال عام 2026. كما ترجح تقديرات متداولة أن يكون جزء كبير من السكان قد انزلق بالفعل تحت خط الفقر المطلق أو أصبح مهددًا بذلك.

وبالنسبة للمواطن العادي، لا تُقاس الأزمة فقط بالمؤشرات الاقتصادية. إنها تظهر في أسعار الأرز واللحوم والدواء، وفي تأخر الرواتب والمعاشات، وفي ساعات العمل الإضافية التي لا تعوض تراجع قيمة الدخل، وفي اضطرار الأسر إلى الاستدانة أو تقليل الإنفاق على العلاج والتعليم. فحتى المتاجر التي تبقى رفوفها ممتلئة لا تعني بالضرورة أن الأسر تملك القدرة على شراء ما تحتاجه.

إحتجاجات من أصفهان إلى مدن أخرى

في أصفهان ومدن إيرانية أخرى، خرج متقاعدون وموظفون وعمال للتعبير عن غضبهم من الأجور المنخفضة والمعاشات غير المدفوعة وتراجع التأمين الصحي وارتفاع تكاليف المعيشة. وشهدت أصفهان في 7 سبتمبر احتجاجًا لمتقاعدي شركة الاتصالات، ضمن تحركات مماثلة في عدة محافظات، للمطالبة بتسوية المستحقات وتحسين المعاشات وتوفير التأمين الصحي التكميلي. كما أفادت تقارير بأن الاحتجاجات شملت فئات من المعلمين والممرضين والطلاب والعمال خلال الأشهر الماضية.

هذه الاحتجاجات لا تعني بالضرورة وجود حركة موحدة أو قيادة واحدة، لكنها تعكس اتساع القلق الاجتماعي وفقدان الثقة في قدرة السلطات على حماية مستوى المعيشة. ومع ارتفاع أسعار السلع بوتيرة سريعة، يصبح الاحتجاج بالنسبة إلى كثيرين وسيلة للمطالبة بأبسط الحقوق: راتب يكفي، ودواء متاح، وفرصة عمل، وخدمات عامة مستقرة.

إحتجاجات مواطنيين إيرانيين ضد النظام /المصدر/Pexels
إحتجاجات مواطنيين إيرانيين ضد النظام /المصدر/Pexels

كلفة قرار المواجهة

إن الاستمرار في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة، مع ما يرافقها من عقوبات وقيود على التجارة والاستثمار، يزيد من صعوبة تعافي الاقتصاد الإيراني. ولا يمكن اختزال مسؤولية الأزمة في عامل واحد؛ فالعقوبات والحرب لهما تأثير مباشر، لكن سوء الإدارة الاقتصادية، والإنفاق العسكري، وضعف الشفافية، وتهميش احتياجات المواطنين عوامل تزيد الأزمة عمقًا.

تحتاج إيران إلى مسار يقلل التصعيد ويحمي المدنيين، ويعيد توجيه الموارد نحو الوظائف والإنتاج والتعليم والصحة. فالمواطن الإيراني لا يستطيع الانتظار طويلًا بينما تتراجع قيمة راتبه وتتقلص فرصه في حياة مستقرة. إن أي سياسة خارجية لا تضع كرامة الناس واحتياجاتهم الأساسية في المقدمة ستزيد الفقر والبطالة والاحتجاجات، بدل أن توفر الأمن والاستقرار.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : تحقيق جديد يكشف مصدر هجوم خط الأنابيب السعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *