الوضع في إيران اليوم، وهي تخوض حربًا مفتوحة ضد الولايات المتحدة، يزداد قتامة وتعقيدًا بالنسبة للمواطنين العاديين أكثر من أي وقت مضى. فالنظام الإيراني يواصل سياساته دون أي تردد في تعريض شعبه لمخاطر عسكرية واقتصادية وإنسانية، وكأن حياة الناس مجرد ثمن جانبي في معادلة الصراع مع الخارج. وبينما تُرفع الشعارات عن الصمود والمقاومة، يعيش الإيرانيون واقعًا يوميًا من الفقر، وضياع الفرص، وانهيار الموارد المالية.

منذ بداية هذه المواجهة، أصبح واضحًا أن كلفة الحرب لا تُدفع في غرف القيادة أو على طاولات التفاوض، بل تُدفع في البيوت والأسواق والمستشفيات والجامعات. المواطن الإيراني اليوم يواجه تضخمًا خانقًا، وارتفاعًا حادًا في الأسعار، وتراجعًا في قيمة العملة، ونقصًا في السلع والخدمات الأساسية، في حين تستمر السلطة في توجيه موارد الدولة نحو الجبهة العسكرية والدعائية، بدل توجيهها نحو حماية المجتمع ودعم الاقتصاد. وهكذا، يتحول راتب المواطن إلى رقم بلا قيمة، ومدخراته إلى ذكريات، ومستقبله المهني إلى مساحة من عدم اليقين.
العقوبات الإقتصادية، التي ترافق هذه الحرب وتعمّق آثارها، لا تُصيب النظام في جوهر إمتيازاته بقدر ما تصيب المجتمع في أساس حياته اليومية. فالقيادة السياسية تمتلك شبكات نفوذ وموارد موازية، بينما المواطن يعتمد على دخل محدود، وعلى توفر الخدمات الرسمية، وعلى استقرار السوق. ومع كل جولة جديدة من التصعيد، نرى مزيدًا من الانكماش في النشاط الاقتصادي، ومزيدًا من إغلاق الشركات، ومزيدًا من هجرة الكفاءات، وكأن البلاد تُدفع دفعًا نحو حالة شلل اقتصادي واجتماعي طويل الأمد.
الأشد مأساوية أن النظام الإيراني لا يُظهر أي شعور بالمسؤولية الحقيقية تجاه هذا الانهيار المتدرج. فالخطاب الرسمي يحمّل الخارج، والعقوبات، والمؤامرات الدولية مسؤولية ما يحدث، متجاهلًا أن القرار بالتصعيد، والتمسك بسياسات توسعية، وإقحام إيران في حروب إقليمية، كل ذلك صادر عن القيادة نفسها. بهذا المعنى، يمكن القول دون مبالغة إن النظام هو المسؤول الأول عن تدمير مقومات الاستقرار في إيران، وعن جرّ المنطقة إلى دوائر توتر متكررة، جعلت من الخليج والشرق الأوسط ساحة دائمة للقلق الدولي.

إيران بلد غني بالثروات الطبيعية، وبالطاقة البشرية، وبالموقع الإستراتيجي، لكنها تُدار بطريقة تجعل هذه الإمكانات عبئًا بدل أن تكون فرصة. فبدل أن يُستثمر النفط والغاز والموقع الجغرافي في بناء اقتصاد متنوع، وبنية تحتية متطورة، وقطاع خاص قوي، تُهدر الموارد في صراعات خارجية، وتُستنزف في دعم شبكات عابرة للحدود، وتُستخدم كأداة ضغط سياسي لا يعود بأي فائدة على المواطن. وبهذا، تتحول إيران من دولة يمكن أن تكون نموذجًا اقتصاديًا إلى ساحة لأزمات لا تنتهي.
هذا الواقع لا يدمّر حاضر الإيرانيين فحسب، بل يهدد مستقبل المنطقة بأكملها. فاستمرار نظام لا يرى في الحرب مشكلة، ولا في الفقر كارثة، ولا في ضياع الفرص جريمة، يعني استمرار إنتاج أزمات جديدة، وفتح الباب أمام مزيد من الانهيار. وإذا لم يُحاسَب هذا النظام سياسيًا وأخلاقيًا على مسؤولية ما جرى، سيبقى يعيد إنتاج الدمار نفسه، في إيران أولًا، ثم في محيطها الإقليمي.
في النهاية، يمكن القول إن الضحية الحقيقية لهذه الحرب ليست الشعارات ولا الحسابات الاستراتيجية، بل الإنسان الإيراني الذي يجد نفسه محاصرًا بين قصف الخارج وقسوة الداخل. هذا الشعب يستحق دولة تحميه لا تضحّي به، واقتصادًا يمنحه الأمل لا يسلبه لقمة العيش، ونظامًا يرى أبعد من لحظة الصراع، ويضع في اعتباره أن مسؤولية الحكم تبدأ من حفظ حياة الناس وكرامتهم، لا من الزج بهم في حروب لا نهاية لها.
المصدر: وكالات
إقرأ أيضاً : لماذا لا يكون العالم الإفتراضي حقيقة