شهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة غير مستقرة بعد التصعيد العسكري والسياسي الاخير، تتصدرها الأزمة المتفاقمة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. ومع تجدد المواجهات العسكرية وتبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة، عاد المضيق ليكون محوراً للتوتر الدولي، بينما يدفع الشعب الإيراني الثمن الأكبر لهذه الأزمة.

لقد أدى إستهداف سفن تجارية وإرتفاع مستوى المخاطر الأمنية في مضيق هرمز إلى إضطراب حركة الملاحة البحرية، وإرتفاع أسعار النفط، وزيادة المخاوف من إتساع رقعة الصراع. وفي المقابل، ردت الولايات المتحدة بسلسلة من الضربات التي إستهدفت مواقع عسكرية وبُنى تحتية مرتبطة بالقدرات الإيرانية في محيط المضيق، الأمر الذي زاد من إحتمالات إستمرار المواجهة بدلاً من إحتوائها. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الهدنة الهشة التي كانت قائمة لم تصمد أمام التصعيد المتبادل، لتعود المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.
لكن وسط هذه الأحداث، يبرز سؤال أساسي: من هو الطرف الذي يدفع الكلفة الحقيقية؟
الإجابة تبدو واضحة بالنسبة للمواطن الإيراني العادي. فمنذ سنوات، يعاني الإقتصاد الإيراني من العقوبات، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وتزايد البطالة، إضافة إلى الصعوبات المعيشية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لملايين الإيرانيين. وكلما تصاعدت المواجهة العسكرية، إزدادت الضغوط الإقتصادية والإجتماعية، وتراجعت فرص الإستثمار، وإرتفعت تكلفة المعيشة بصورة أكبر.

يرى عدد من المحللين أن القيادة الإيرانية تواصل إعطاء الأولوية لمواجهة الضغوط الخارجية وتعزيز نفوذها الإقليمي، حتى في ظل التكاليف الإقتصادية والإنسانية الباهظة. ومن هذا المنظور، يعتبر هؤلاء أن إستمرار التصعيد في مضيق هرمز يعكس إستعداد النظام لتحمل مخاطر إضافية من أجل تحقيق أهدافه الإستراتيجية، رغم ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على المواطنين الإيرانيين.
وفي المقابل، يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن سياساتهم تهدف إلى حماية سيادة البلاد ومواجهة ما يعتبرونه تهديدات خارجية، وأن الضغوط الإقتصادية والعسكرية هي نتيجة للعقوبات والعمليات العسكرية التي تستهدف إيران، وليس نتيجة لسياساتهم الداخلية وحدها. وبين هذين الطرحين، يبقى المواطن الإيراني هو الأكثر تأثراً بتداعيات الصراع.
إن إستمرار الأزمة في مضيق هرمز يهدد الإقتصاد الإيراني، فالممر البحري يمثل شرياناً أساسياً لتجارة الطاقة، وأي إضطراب طويل الأمد فيه ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وتكاليف النقل، وسلاسل الإمداد العالمية. ومع كل يوم يستمر فيه التصعيد، تتراجع فرص العودة إلى الإستقرار، وتزداد المخاوف من إندلاع مواجهة أوسع يصعب إحتواؤها.
وعلى الصعيد الداخلي، تبدو الحاجة ملحة أمام الإيرانيين إلى حلول إقتصادية وسياسية تخفف من أعباء الحياة اليومية، بدلاً من الدخول في دوامة جديدة من المواجهات العسكرية. فالشباب الإيراني يبحث عن فرص عمل، والأسر الإيرانية تبحث عن إستقرار إقتصادي، بينما تحتاج الأسواق إلى بيئة أكثر هدوءاً لإستعادة النشاط والإستثمار.
في النهاية، قد تختلف الآراء حول أسباب الأزمة والمسؤولية عنها، إلا أن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن إستمرار الصراع يحمل كلفة باهظة على الشعب الإيراني قبل غيره. فكل جولة جديدة من التصعيد تعني مزيداً من الضغوط الإقتصادية، ومزيداً من العزلة، ومزيداً من عدم اليقين بشأن مستقبل البلاد. وبين الحسابات السياسية والعسكرية للقوى المتصارعة، يبقى المواطن الإيراني هو الحلقة الأضعف، والأكثر حاجة إلى سلام يفتح الباب أمام التنمية والإستقرار بدلاً من إستمرار المواجهة.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : فشل المفاوضات الإيرانية-الأمريكية في ظل التصعيد الإقليمي