روتيني اليومي يخفي معاناة داخلية عميقة

💬0

أستيقظ فجأة كل صباح أحد بين الخامسة والسادسة. تتدافع في ذهني آلاف المهام التي يجب إنجازها، فأقفز من السرير فورا. أعتني بالغسيل والكلب ووجبة الإفطار، ثم أمارس الرياضة وأفكر في الأسبوع القادم. أشعر بالتعب الدائم منذ سنوات.

صورة تجسيدية لشحص كئيب
صورة تجسيدية لشحص كئيب/المصدر/Pixabay

إبني يفقد بطاقته فتنهار داخلي فجأة

يخبرني ابني بعد قليل أنه فقد بطاقته المصرفية. يبدو الأمر بسيطا، لكن شيئا ما ينقلب داخلي. أبكي بلا توقف وأقول لزوجي إنني سئمت هذه الحياة. أسأله: “هل يمكنك الاعتناء بطفلي إذا لم أعد موجودة؟” يبدو السبب تافها، وهذا بالضبط ما يخيفني.

الأفكار الإنتحارية تمنحني هدوءا زائفا

لا تقلقني الأفكار الانتحارية، بل على العكس. تجلب لي هذه الأفكار هدوءا. أراها حلا واستراتيجية خروج من حياة فقدت متعتها وأصبحت تبدو صعبة وفارغة ومرهقة.

الإكتئاب عالي الأداء يجعلني أتحرك أسرع عندما أسوأ

شخص الأطباء إصابتي بالاكتئاب قبل عامين. أذهب إلى جلسات العلاج مرة واحدة أسبوعيا. اعتقدت لفترة طويلة أن هذا يكفي، لأنني كنت أستطيع الذهاب إلى العمل والاعتناء بأسرتي وشؤون المنزل والحفاظ على علاقاتي الاجتماعية. الآن أجلس في عيادة نهارية محاطة بأشخاص يمثل لهم تفريغ غسالة الأطباق مجهودا هائلا. مشكلتي العكس تماما: كلما ساءت حالتي، تحركت بسرعة أكبر واندفعت في روتين الحياة اليومية. يصف الناس هذه الحالة بـ”الاكتئاب عالي الأداء”، حيث يغيب “تثبيط الدافع” الذي يصاحب الاكتئاب عادة. يبدو المصابون قادرين على الأداء والإنتاج، لكن الحياة تشبه كابوسا مصمما على الكفاءة.

الخبراء يرفضون مصطلح “الإكتئاب عالي الأداء” كتشخيص رسمي

لا يظهر مصطلح “الاكتئاب عالي الأداء” في التصنيف الدولي للأمراض، لذلك لا يصدره الأطباء النفسيون أو علماء النفس كتشخيص رسمي. يقول أولريش هيغرل، الطبيب النفسي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة المساعدة الألمانية لمرضى الاكتئاب والوقاية من الانتحار، إن الاكتئاب هو الاكتئاب، ويرفض المصطلح باعتباره مصطلحا عصريا. يفسر هيغرل استمرار الناس في أداء مهامهم رغم الاكتئاب بأن المصابين غالبا ما يكونون من النوع الذي يهتم بالآخرين ويبذل جهدا كبيرا ويتحمل المسؤولية ولا يريد أن يخيب ظن أحد، فيواصلون الأداء حتى آخر قوتهم. ينهار هؤلاء في المنزل في حالة إرهاق تام، وتختفي إنتاجيتهم. يؤكد هيغرل أن علامات الاكتئاب النموذجية مثل الإرهاق والتوتر الداخلي والشعور بالذنب واضطرابات الشهية والنوم والتفكير المفرط تظهر لديهم تماما كما تظهر لدى الآخرين

صورة تجسيدية لقتاة مكتئبة
صورة تجسيدية لقتاة مكتئبة /المصدر/Pixabay

.دانيال هويس يصنف الإكتئاب حسب الشدة فقط

لا يستخدم دانيال هويس، أخصائي الطب النفسي والعلاج النفسي ورئيس قسم الطب النفسي العام في مستشفى في بون، هذا المصطلح في ممارسته. يصنف هويس الحالات حسب درجات الخطورة: خفيفة أو متوسطة أو شديدة. يقول هويس إن غياب المصطلح من التصنيف الدولي لا يعني أن الحالة غير موجودة. يلاحظ هويس أن المستشفى يستقبل في الغالب أشخاصا انهاروا ولم يعودوا قادرين على تلبية متطلبات الحياة اليومية.

النجاح الخارجي يخفي المعاناة الحقيقية

تقول أدريان ماكولارز، الحاصلة على الدكتوراه في علم النفس في شبكة عيادات روجرز بيهافيورال هيلث في فلوريدا، إن أكبر سوء فهم يتمثل في أن الناس يقللون من شأن معاناة الشخص لمجرد أنه يبدو ناجحا أو منتجا من الخارج. ترى ماكولارز أن مصطلح “الاكتئاب عالي الأداء” يساعد في إبراز هذه الحالة التي غالبا ما يتجاهلها الناس، حتى المصابون أنفسهم. يعتقد الكثيرون أنه طالما يستطيعون النهوض والوفاء بواجباتهم، فلا يمكن أن يكون الأمر سيئا إلى هذا الحد. تحذر ماكولارز من أن هذا الاعتقاد خطير، لأن الاكتئاب يمثل السبب الأكثر شيوعا للانتحار. ترفض ماكولارز أيضا فكرة أن “الاكتئاب عالي الأداء” يعني شكلا أخف من المرض، وتؤكد أن بعض الأشخاص يصبحون أكثر إنتاجية عندما يعانون من أعراض الاكتئاب كطريقة للتعامل معها.

الإنجاز يصبح وسيلة للهروب من الألم

عشت الأمر بنفسي. كنت أفكر: إذا أنجزت كل شيء بسرعة، ستصبح قائمة المهام أقصر وسيقل شعوري بالإرهاق. إذا بقيت في حركة مستمرة، لن يغلبني التعب إلا في المساء. إذا أنجزت ما يكفي، أستطيع كبح الشعور بالذنب تجاه عائلتي وزملائي وأصدقائي. يقول دانيال فاغنر، المعالج النفسي صاحب العيادة الخاصة في كولونيا، إن هذا الأداء والإنجاز يشكلان نوعا من الإلهاء. يضيف فاغنر أن الألم الشديد الناتج عن الاكتئاب يختبئ وراء الإنجازات الكبيرة، لأن الشخص يحتاج إلى تجنب الصمت والهدوء اللذين يكشفان عن حالة يصعب تحملها.

اليقظة الذهنية تساعد في الوصول إلى المشاعر والتجديد

يهدف العلاج مع هؤلاء الأشخاص إلى الوصول إلى الإحساس وإتاحة الوصول إلى المشاعر والسماح بالتجديد، كما يقول فاغنر. تساعد تمارين اليقظة الذهنية في تحقيق هذا الهدف، ويسميها فاغنر “الاسترخاء المنظم”. تشمل هذه التمارين تمارين التنفس والتأملات الموجهة التي لا تهدف إلى تغيير أي شيء، بل إلى التواجد والمراقبة فقط. يدمج فاغنر مراحل التجديد هذه بشكل منظم في الروتين اليومي لمرضاه.

الجدول الأسبوعي يواجه صعوبة في بند “الأشياء التي أستمتع بها”

اتبع الأخصائيون النفسيون في العيادة نهجا مشابها. حصلت على جدول أسبوعي ينظم يومي بين العمل والأعمال المنزلية والرياضة والأشياء التي أستمتع بها وتفيدني. يمثل البند الأخير بالنسبة لي المشكلة الأكبر والنقطة الأكثر إيلاما. في الهدوء تزداد الضوضاء في رأسي وتصبح المشاعر أكثر إزعاجا. أرغب في الهرب مرة أخرى من المسؤولية والتعامل مع نفسي. يعني هذا أن أقف وأتحمل ولا أفعل شيئا.

المصدر: وكالات
إقرأ ايضاً : المرض إكس يحير العلماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *