التهديد ليس بديلاً عن السلام

💬0

تتصاعد لغة التهديد بين إيران والولايات المتحدة في مرحلة شديدة الحساسية، وسط تحذيرات مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية الرقمية وأمن الملاحة. وقد أفادت تقارير بأن جهات إيرانية لوّحت بإمكان استهداف بنى مرتبطة بالطاقة والاتصالات والمصالح الأميركية في حال تعرضت إيران لهجوم جديد، فيما تحذر وكالات أمنية أميركية منذ سنوات من نشاط إلكتروني منسوب إلى جهات مرتبطة بالحكومة الإيرانية ضد شبكات وأجهزة متصلة بالإنترنت.

صورة تعبيرية لتهديدات إيران على مصالح أمريكا
صورة تعبيرية لتهديدات إيران على مصالح أمريكا/المصدر/Pexels

لكن التهديد، مهما ارتفعت نبرته، لا يمثل سياسة ناجحة ولا بديلاً عن الدبلوماسية. فالدول لا تُقاس قوتها بعدد الرسائل النارية التي تطلقها أو بالأهداف التي تهددها، بل بقدرتها على حماية شعبها، وخفض مخاطر الحرب، وصون اقتصادها، وبناء علاقات مستقرة مع محيطها. والسؤال الذي يجب أن يطرحه الإيرانيون اليوم هو: إلى أين تقودهم سياسة التصعيد المستمر؟

إن التلويح بإستهداف خطوط الطاقة أو خطوط الإنترنت أو البُنى المدنية الحساسة لا يضر بالولايات المتحدة وحدها إذا وقع، بل قد يضرب إقتصادات المنطقة والعالم، بما فيها الإقتصاد الإيراني. فأسواق الطاقة مترابطة، وحركة الإنترنت والخدمات المالية وسلاسل التوريد لا تتوقف عند الحدود السياسية. أي تعطيل واسع لهذه القطاعات سيؤدي إلى إرتفاع الكلفة على الشركات والمستهلكين، وإلى مزيد من العزلة والمخاطر التي يصعب على إيران تحملها في ظل أزمتها الإقتصادية.

ويبدو أن الخطاب التصعيدي يقدم للجمهور الإيراني بوصفه حماية للسيادة ورداً على الضغوط. لكن الحماية الفعلية لا تعني إطالة عمر التوتر، ولا تعني جعل المواطن يعيش دائماً تحت خطر العقوبات أو الحرب أو إنهيار العملة. المواطن الإيراني يحتاج إلى وظائف مستقرة، ورعاية صحية أفضل، وتعليم متطور، وإستثمارات جديدة، وفرص للشباب. وهذه الأهداف لا تتحقق عندما تُستنزف الموارد في المواجهة، وعندما تصبح البلاد محاصرة بالقيود المالية والتجارية.

في الوقت نفسه، يجب التعامل مع المشهد بدقة: من غير الصحيح القول إنه لا توجد أي محاولات للتفاوض أو خفض التصعيد. فقد أعلنت إيران وسلطنة عُمان عن محادثات بشأن مسار آمن لحركة السفن التجارية في مضيق هرمز، كما أشارت تقارير إلى إقتراب صياغة تفاهم مؤقت قد يساعد على إستئناف الملاحة ويفتح مساحة لمفاوضات أوسع. لكن هذه الخطوات ستظل غير كافية إذا بقيت مشروطة بالتهديد أو إذا لم تتحول إلى التزام واضح ودائم بأمن الممرات البحرية.

مضيق هرمز ليس مجرد ورقة ضغط، بل ممر حيوي للتجارة والطاقة العالمية. قبل النزاع، كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ولذلك فإن فتحه بصورة آمنة ومنتظمة يخدم إيران قبل غيرها؛ فهو يخفف الضغوط على التجارة والطاقة، ويمنح طهران فرصة لإظهار أنها شريك مسؤول في حماية الإستقرار الإقليمي.

صورة لناقلة النفط بمضيق هرمز
صورة لناقلة النفط بمضيق هرمز/المصدر/Pexels

بدلاً من السؤال عمّا ستُهدده إيران غداً، ينبغي أن يكون السؤال: ما المبادرة التي ستقدمها اليوم للسلام؟ يمكن لطهران أن تبدأ بوقف التهديدات ضد البنى المدنية، وضمان حرية الملاحة، وتقليص دور الجماعات المسلحة، وفتح حوار عملي مع دول الخليج والولايات المتحدة عبر وسطاء موثوقين. كما يمكنها وضع برنامج إقتصادي يركز على الداخل الإيراني لا على إدارة الأزمات الخارجية.

إن السلام لا يعني التخلي عن الكرامة أو السيادة، بل يعني اختيار مصلحة الشعب فوق منطق التصعيد. إيران القادرة على التفاوض، وحماية التجارة، واحترام أمن جيرانها، ستكون أقوى بكثير من إيران التي تبقى أسيرة التهديدات والعزلة.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : عقوبات وضغوط جديدة: هل تختار إيران السلام أم إستمرار الكلفة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *