السرطان يصيب المزيد من الشباب

💬0

لم يعد السرطان مرتبطاً بالشيخوخة وحدها. يرصد الأطباء تزايد الإصابة بأنواع مثل سرطان القولون ونخاع العظم بين الشباب. تقدم دراسة حديثة تفسيراً مفاده أن أجسام الأجيال الأصغر قد تتقدم في العمر أسرع مما تشير إليه سنواتها.

صورة تعبيرية لسرطان الجلد
صورة تعبيرية لسرطان الجلد/المصدر/Pexels

شباب يواجهون السرطان في سن مبكرة

علمت سوزانا بإصابتها بسرطان القولون في سن الثامنة والعشرين. أصيب أندريه بسرطان الرئة في سن الرابعة والثلاثين. يتحدث الاثنان عبر منصات التواصل الاجتماعي عن صراعهما مع المرض وعن مواجهة تشخيص لم يتوقعاه في هذه المرحلة المبكرة من العمر. لم تعد حالتهما نادرتين.

معدلات الإصابة ترتفع في ألمانيا وأمريكا

سجل المركز الألماني لأبحاث السرطان ارتفاعاً واضحاً في معدلات الإصابة بسرطان القولون بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و39 عاماً في ألمانيا. يرصد الباحثون اتجاهاً مشابهاً في الولايات المتحدة حيث تبدو معدلات الإصابة بين الشباب أعلى منها في ألمانيا. تظهر أنواع أخرى من السرطان بوتيرة متزايدة لدى صغار السن، من بينها سرطانات نخاع العظم وجسم الرحم.

السرطان يرتبط تقليدياً بالتقدم في العمر

يعد السرطان في الأساس مرضاً يرتبط بالتقدم في العمر. يبلغ متوسط سن الإصابة لدى الرجال والنساء نحو 69 عاماً بحسب مؤسسة مساعدة مرضى السرطان الألمانية. تنشأ الخلايا السرطانية عندما تحدث تغيرات في أجزاء معينة من المادة الوراثية ولا تنجح آليات الجسم في إصلاحها. تصبح أنظمة الإصلاح داخل الخلايا أقل كفاءة كلما تقدم الإنسان في العمر، ما يسمح بتراكم مزيد من التغيرات التي قد تؤدي إلى الإصابة بالسرطان.

دراسة تربط السرطان المبكر بتسارع العمر البيولوجي

قدمت دراسة حديثة أجراها باحثون في كلية الطب بجامعة واشنطن في الولايات المتحدة مؤشراً يساعد في فهم هذه الظاهرة. توصل الباحثون إلى وجود علاقة بين ازدياد الإصابة ببعض أنواع السرطان في سن مبكرة واتساع الفجوة بين العمر الزمني والعمر البيولوجي لدى الأجيال الشابة. يمثل العمر الزمني عدد السنوات التي مرت منذ ولادة الشخص، بينما يعكس العمر البيولوجي مدى تقدم عمليات الشيخوخة داخل الجسم وحالة الخلايا والأنسجة والأعضاء مقارنة بالعمر الفعلي. قد لا تتقدم جميع أعضاء الجسم في السن بالسرعة نفسها، فالقلب والكبد والدماغ لدى الشخص ذاته قد تكون لها أعمار بيولوجية مختلفة.

صورة لشيخ متقدم في السن يعاني من السرطان
صورة لشيخ متقدم في السن يعاني من السرطان/المصدر/Pexels

الباحثون يربطون الفجوة بالعمر البيولوجي والسرطان

يقول رون ياخيموفيتش، الطبيب الأول والمتخصص في أمراض الدم والأورام في مستشفى جامعة كولونيا ورئيس مجموعة بحثية في معهد ماكس بلانك لبيولوجيا الشيخوخة، إن الدراسة ربطت للمرة الأولى بين اتساع الفجوة بين العمرين الزمني والبيولوجي لدى الشباب وظهور السرطان في سن مبكرة. يحذر ياخيموفيتش من التعامل مع النتائج بوصفها دليلاً نهائياً، موضحاً أن الدراسة رصدت علاقة إحصائية فقط ولم تثبت أن تسارع الشيخوخة البيولوجية هو السبب المباشر للإصابة بالسرطان.

كيف يقيس الباحثون العمر البيولوجي؟

لا توجد حتى الآن وسيلة واحدة أو اختبار بسيط يحدد العمر البيولوجي بدقة. يعتمد الباحثون على مجموعة من المؤشرات والفحوص للوصول إلى تقدير تقريبي. تشمل هذه الوسائل اختبارات التغيرات فوق الجينية التي تقيس تغيرات كيميائية تطرأ على الحمض النووي من دون أن تغير تسلسله، إضافة إلى تحليل عدد من مؤشرات الدم. يقيس الباحثون أيضاً طول التيلوميرات، وهي أغطية واقية توجد عند نهايات الكروموسومات وتقصر عادة مع انقسام الخلايا والتقدم في السن. تضاف إلى ذلك فحوص فسيولوجية لقياس أداء الأعضاء ووظائف الجسم، إلى جانب اختبارات تتعلق بالقدرات الذهنية والإدراكية. استخدم معدو الدراسة الجديدة مزيجاً من هذه الوسائل ثم حللوا بيانات أكثر من 150 ألف شخص مسجلين في «البنك الحيوي البريطاني».

الأجيال الشابة تظهر فجوة أكبر بين العمرين

أظهرت النتائج أن الأشخاص المولودين بين عامي 1965 و1974 لديهم فجوة أكبر بين عمرهم الزمني وعمرهم البيولوجي مقارنة بمن وُلدوا بين عامي 1950 و1954. بدت الفجوة أوسع كلما انتقل الباحثون إلى أجيال أصغر سناً. سجل المولودون بين عامي 1990 و1999 فارقاً أكبر بين العمرين مقارنة بالمولودين بين عامي 1965 و1969 في تحليل آخر شمل أكثر من عشرة آلاف شخص في الولايات المتحدة. كتب الباحثون أن الأشخاص المولودين في تسعينيات القرن الماضي في أستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة يواجهون خطراً للإصابة المبكرة بسرطان القولون يزيد بما لا يقل عن أربعة أضعاف مقارنة بالمولودين في ستينيات القرن الماضي.

هل يمكن إبطاء الشيخوخة البيولوجية؟

ساد الاعتقاد في السابق أن نمط الحياة يمكن أن يؤثر في ما بين 75 و90 في المئة من العمر البيولوجي، لكن ياخيموفيتش يرى أن هذه النسبة مبالغ فيها. يقول الطبيب الألماني إن الإنسان يستطيع التأثير في نحو نصف العوامل المرتبطة بعمره البيولوجي، بينما تحدد الجينات والعوامل الوراثية النصف الآخر. تساعد الوسائل المعروفة في إبطاء عمليات الشيخوخة داخل الجسم مثل ممارسة الرياضة بانتظام وتناول طعام متوازن والحصول على نوم جيد والابتعاد عن المخدرات والكحول. يلفت ياخيموفيتش إلى أن العلاقات الاجتماعية تلعب دوراً مهماً أيضاً، وأن التواصل مع الآخرين وتجنب العزلة قد يؤثران إيجابياً في الصحة وعملية التقدم في العمر.

لماذا تشيخ الأجيال الجديدة أسرع؟

تقول تانوي يوان، عالمة الأوبئة في قسم الوبائيات السريرية والكشف المبكر عن السرطان في المركز الألماني لأبحاث السرطان بمدينة هايدلبرغ، إن هناك عدداً من الفرضيات المحتملة. يصاب أفراد الأجيال الشابة بالسمنة في سن أبكر من الأجيال السابقة، ما يعني أنهم يقضون سنوات أطول من حياتهم وهم يعانون زيادة الوزن وما يرتبط بها من اضطرابات صحية. يقضي الشباب وقتاً أطول في الجلوس ويتحركون بصورة أقل، فضلاً عن تراجع جودة النوم بسبب الساعات الطويلة أمام شاشات الهواتف وأجهزة الكمبيوتر. تؤكد الباحثة أن الدراسة لا تقدم تفسيراً نهائياً، لكنها توفر أدلة مهمة تتوافق مع الفرضيات التي يناقشها الباحثون منذ فترة بشأن أسباب تزايد السرطان بين الشباب.

لا تتجاهل إشارات جسمك

تشدد يوان على أهمية اتباع نمط حياة صحي للحد من خطر الإصابة بالسرطان في سن مبكرة. ترى أن الوقاية لا تقتصر على الرياضة والغذاء والنوم، بل تبدأ أيضاً بالانتباه إلى التغيرات التي تطرأ على الجسم. تقول يوان: «عندما تشعر بأنك لست على ما يرام، اذهب إلى الطبيب واطلب إجراء الفحوص المناسبة».

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : الطاعون لا يزال يشكل خطرا حقيقيا اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *