يُعد جحا أحد أقدم الأسلحة السياسية التي صاغها المقهورون. تمتد حكاياته من سور الصين العظيم إلى صقلية، ومن سهوب آسيا الوسطى إلى مقاهي الأناضول والقاهرة. يُعتبر أوسع تقليد للفكاهة الشعبية المقاومة عرفه التاريخ.

جحا.. نص خفي يقول ما لا يجرؤ أحد على قوله
تبدو حكايات جحا للوهلة الأولى مجرد نوادر عن أحمق يمتطي حماره مقلوبًا. لكنها في الحقيقة “نص خفي” متقن التمويه، كما يصفه عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي جيمس سكوت. ينطق جحا بما لا يستطيع أحد قوله أمام السلطان.
اليونسكو تعترف بتراث جحا
إعترفت منظمة اليونسكو عام 2022 بتقليد رواية حكايات نصر الدين خوجة كتراث ثقافي إنساني غير مادي، بترشيح مشترك من سبع دول. يُعد هذا الإعتراف الرسمي بما عرفه الناس البسطاء منذ قرون: النكتة سلاح لا يصدأ.
شخصيتان في جسد واحد
يجمع جحا بين شخصيتين: جحا العربي ونصر الدين خوجة التركي. إلتقى الإثنان في مخطوطات القرن التاسع عشر وإندمجا حتى أصبحا شخصية واحدة في الذاكرة الشعبية، كما يؤكد المستشرق الألماني أولريش مارتسولف.
جحا العربي.. الأقدم
ذكر الجاحظ جحا في القرن التاسع الميلادي. نقل إبن الجوزي عنه أنه “رجل كيس ظريف”، لكنه أشار إلى أن بعض من عاداه وضعوا عليه حكايات السخرية. أدرج إبن النديم كتاب “نوادر جحا” في “الفهرست” عام 987 ميلاديًا، مما يثبت وجود التقليد المكتوب منذ أكثر من ألف عام.

نصر الدين خوجة.. الأسطورة التركية
تضع الرواية التركية نصر الدين خوجة في القرن الثالث عشر. يقع ضريحه في أقشهر بولاية قونية، ويتميز ببوابة مقفلة بقفل ضخم… بلا جدران. أقدم ذكر مكتوب له يعود إلى عام 1480.جحا..
صوت الفقراء والمقهورين
يظهر جحا دائمًا فقيرًا أو شحاذًا أو تاجرًا صغيرًا، أي في الجانب الذي يفتقر إلى السلطة. هذا التموضع الطبقي الثابت يجعله الناطق المثالي باسم الناس العاديين الذين يريدون قول الحقيقة في أمان.
.جيمس سكوت.. جحا في علم الأنثروبولوجيا
في كتابيه الشهيرين (1985 و1990)، يرى جيمس سكوت أن المقاومة لا تقتصر على الثورات. يصف “النص الخفي” الذي يتداوله الناس بعيدًا عن أعين السلطة. تطابق حكايات جحا تمامًا مع هذا المفهوم: يظهر الإمتثال الزائف، والجهل المتصنع، والسخرية الذكية.
هل النكتة صمام أمان أم وقود ثورة؟
يرفض سكوت فكرة أن النكتة مجرد صمام أمان يفرغ الغضب. يرى أنها تُغذي المقاومة وتبقيها حية. أما عالم الاجتماع كريستي ديفيز فيعتبر النكات “ميزان حرارة” تعكس الواقع دون أن تغيره بالضرورة. ويلاحظ خالد القشطيني أن النكات تكثر في أواخر عمر الأنظمة، لا في بداياتها.
الخلاصة
جحا ليس مجرد أحمق في الحكايات، بل هو أداة مقاومة شعبية عبقرية. يسمح للضعيف أن يضحك من القوي، ويقول الحقيقة بلباس الفكاهة. في كل عصر ومكان، يحتاج الشعب إلى “جحاه” الخاص به.
المصدر: وكالات
إقرأ ايضاً: ألمانيا: معابد ومساجد تُفتح وكنائس تُغلق أبوابها