توسع السلطات الإيرانية حملة «جان فدا» لتدريب متطوعين مدنيين على مهارات عسكرية، وفتحت مراكز تدريب للنساء في طهران ومدن أخرى. وتظهر الصور والفيديوهات الرسمية متطوعات يتلقين تعليمات حول التعامل مع الأسلحة النارية، والطائرات المسيّرة، وأنظمة دفاع جوي محمولة، إلى جانب الإسعافات الأولية والدفاع الحضري.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تستمر فيه المواجهة مع الولايات المتحدة، ويعاني الاقتصاد الإيراني من ضغوط حادة. لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول أولويات السلطة، وحدود إشراك المدنيين في الاستعدادات العسكرية، وأثر ذلك على النساء والأسر الإيرانية.
تدريب واسع للمدنيين
تقود قوات الباسيج، المرتبطة بالحرس الثوري، حملة «جان فدا»، التي تعني حرفياً «المستعدين للتضحية من أجل إيران». وتشمل البرامج التعامل مع بنادق هجومية وبنادق قنص، وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ دفاع جوي محمولة، فضلاً عن الطائرات المسيّرة والدفاع الحضري والإنقاذ ومهارات البقاء.
وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الحملة فتحت باب التسجيل لمئات الآلاف من المتطوعين خلال وقت قصير، وأن أكثر من 600 ألف شخص سجلوا في مرحلة التعبئة النشطة، بحسب ما نقلته تقارير عن قائد الحرس الثوري في طهران.
وافتتحت طهران أول ساحة تدريب للنساء في ساحة الإمام الحسين، وتشير تقارير إلى وجود 14 موقعاً للتدريب النسائي في العاصمة، مع خطط لتوسيع البرنامج في مدن المحافظات.
هل تدل الخطوة على نفاد الرجال؟
لا تثبت المعلومات المتاحة أن السلطات الإيرانية فتحت التدريب للنساء لأنها «نفدت» رجالها أو عجزت عن دفع رواتب جنودها. فالبرنامج يصفه المنظمون بأنه تطوعي، ويستهدف الرجال والنساء معاً، مع جلسات منفصلة ومدد تدريب مختلفة.
ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً حول دوافع السلطة وأولوياتها. فتوسيع التدريب العسكري بين المدنيين، في ظل حرب طويلة وأزمة اقتصادية، قد يعكس حاجة إلى تعبئة أوسع، لكنه لا يثبت وحده انهيار الجيش أو عجز الخزينة. ولذلك، ينبغي الفصل بين ما تؤكده التقارير وما يطرحه المحللون كتوقعات أو قراءات سياسية.

النساء ليسن إحتياطياً للحرب
لا ينبغي اختزال النساء الإيرانيات في دور «الاحتياطي العسكري» أو وصفهن بأنهن مجرد وسيلة لإبقاء النظام قائماً. فالمشاركات يملكن حقوقاً كاملة في التعليم والعمل والمشاركة العامة، ويجب تقييم أي برنامج عسكري بمعيار حماية كرامتهن وحرية اختيارهن.
وتقول السلطات إن التدريب يهدف إلى إعداد المدنيين للطوارئ والدفاع عن البلاد، وتؤكد بعض المتطوعات رغبتهن في المساهمة في الاستجابة للأزمات. لكن بيئة الحرب والضغط السياسي تجعل من الصعب قياس مدى حرية الاختيار الحقيقية، خصوصاً عندما تدير جهات أمنية مرتبطة بالسلطة البرنامج.
أزمة اقتصادية في الخلفية
تتزامن الحملة مع ضغوط اقتصادية خانقة على الإيرانيين، تشمل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية. وقد خرج متقاعدون وطلاب وعمال في احتجاجات خلال الأشهر الماضية، مطالبين بتحسين المعاشات والخدمات والظروف المعيشية.
وتضع هذه الخلفية السؤال الأهم أمام أي مواطن إيراني: هل تخدم التعبئة العسكرية حماية المدنيين، أم تحول المجتمع إلى جزء من إدارة صراع طويل؟ فالاستثمار في المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء وفرص العمل يظل أساساً لبناء أمن حقيقي واستقرار اجتماعي.
أمن حقيقي لا يبدأ بالسلاح
قد تمنح التدريبات بعض النساء مهارات في الإسعاف الأولي والاستجابة للطوارئ، لكن توسيع حمل السلاح بين المدنيين لا يحل أسباب الأزمة. فالحرب الطويلة والعقوبات وتراجع الاستثمار والإنفاق العسكري تضغط جميعها على الاقتصاد والمجتمع.
وتحتاج إيران إلى سياسة تحمي مواطنيها وتقلل مخاطر التصعيد، بدلاً من جعل النساء والأسر جزءاً من استعدادات لصراع غير محدد المدة. فالأمن الحقيقي يقاس بقدرة الدولة على حماية كرامة الناس وتأمين حياتهم اليومية، لا بعدد الأسلحة التي توزعها على المدنيين.
المصدر : وكالات
إقرأ ايضاً : تهديد إيران لخيوط الاتصال البحرية: تصعيد يهدد الاتصال بين آسيا وأوروبا