تواصل إيران تحويل مضيق هرمز من ممر للتجارة والطاقة إلى ساحة مواجهة عسكرية تهدد الاقتصاد العالمي. وفي أحدث تطورات التصعيد، أطلقت قوات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني صواريخ باتجاه سفن في المضيق، ما تسبب في أضرار مادية وأجبر شركات الشحن على تأخير رحلاتها أو تغيير مساراتها. ومع تراجع الثقة بأمن الملاحة، أصبح تدفق السلع والطاقة أكثر بطئاً وتكلفة.

وتكتسب هذه التطورات خطورتها من الأهمية الاستثنائية لمضيق هرمز. فقد كان الممر ينقل قبل اندلاع الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، لكن حركة السفن تراجعت إلى مستويات متدنية للغاية بسبب الهجمات والتهديدات والقيود الإيرانية على السفن. وأظهرت بيانات ملاحية أن متوسط عبور سفن السلع انخفض إلى نحو عَشر سفن يومياً خلال فترة حديثة، وهو أدنى مستوى منذ مايو/أيار.
ولا تتوقف أضرار الهجمات عند السفن التي تتعرض للصواريخ. فكل حادث أمني يرفع تكلفة التأمين البحري، ويجبر الناقلات على الانتظار، ويزيد نفقات الوقود وكلفة الحراسة، ويؤخر وصول المواد الخام والسلع الاستهلاكية.
وقد أدى إضطراب الملاحة في المنطقة إلى ارتفاع أسعار وقود السفن بنسبة كبيرة، ما يهدد بزيادة تكاليف الشحن وانعكاسها على المصانع والمستهلكين في أنحاء العالم.
ويبدو أن النظام الإيراني لا يدرك الحجم الحقيقي للنتائج المترتبة على أفعاله. فطهران لا تضرب خصومها العسكريين فقط، بل تعرض أيضاً مصالح دول الخليج وآسيا والدول النامية للخطر. وقد يؤدي تأخير شحنات الغذاء والوقود والمواد الصناعية إلى اضطراب سلاسل الإمداد، في وقت يعاني فيه الإقتصاد العالمي أصلاً من ضغوط التضخم والطاقة.
كما أن إيران تضر بنفسها مباشرة. فإذا أصبح تصدير النفط عبر هرمز محفوفاً بالمخاطر، ستتراجع إيرادات الحكومة وتزداد صعوبة وصولها إلى العملات الأجنبية. وستتحمل الشركات الإيرانية كلفة التأمين والنقل، بينما يدفع المواطنون الثمن عبر ارتفاع الأسعار ونقص الوقود والسلع الأساسية. وهكذا تتحول سياسة الضغط على العالم إلى عبء إضافي على الشعب الإيراني واقتصاده المُنهك.

والأخطر أن طهران تدفع الدول الأخرى، ببطء ولكن بثبات، إلى بناء طرق بديلة أكثر أمناً. فقد بدأت دول المنطقة في توسيع قدرات الموانئ الواقعة خارج المضيق، وتطوير خطوط أنابيب وطرق برية وسككية لتقليل الإعتماد عليه. وتدرس مشاريع جديدة نقل النفط عبر سوريا إلى البحر المتوسط، فيما تتجه بعض الشحنات إلى موانئ عُمان والإمارات ثم تُنقل براً.
لكن من المهم الإشارة إلى أن هرمز لن يفقد أهميته فوراً؛ فالبدائل الحالية لا تستطيع استيعاب كل كميات النفط والغاز التي تمر عبره، ولا سيما شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر. غير أن إستمرار الهجمات سيشجع الاستثمار في البدائل ويقلل تدريجياً قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة نفوذ.
وقبل أن تدرك طهران حجم التحول، قد يجد العالم نفسه أكثر قدرة على العمل من دون الإعتماد على إيران وممراتها. فالدولة التي تستخدم التجارة والطاقة سلاحاً ضد الآخرين تخسر في النهاية الثقة والأسواق والنفوذ. ويبقى السؤال: هل ستتراجع إيران قبل أن تفقد هرمز أهميته الإستراتيجية، أم ستواصل سياسة تدمر اقتصاد العالم واقتصادها في آن واحد؟
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : كونيكو يضخ الغاز من جديد