أعادت تصريحات وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف النقاش حول كلفة السياسة الخارجية الإيرانية، وهيمنة المنظور الأمني على علاقات البلاد بجيرانها. لكن المصادر المتاحة توثق مقطعاً مصوراً أعاد مستخدمون تداوله، لا تغريدة أصلية موثقة لظريف يقول فيها حرفياً إن إيران «تصنع أعداءها». وهذا التمييز ضروري قبل تحويل مضمون نقده إلى اقتباس مباشر.

الجيران.. تهديد أم فرصة؟
طرح ظريف مقارنة واضحة بين نهجين: النظر إلى المنطقة باعتبارها مصدر تهديد، أو التعامل معها بوصفها مجالاً للفرص الاقتصادية والدبلوماسية. وقال إن النهج الأول يجعل السفراء ممثلين لفيلق القدس، بينما يفتح الثاني المجال أمام رجال الأعمال والدبلوماسيين. وتستهدف هذه المقارنة تغليب الحسابات العسكرية على بناء علاقات تخدم مصالح الإيرانيين اليومية.
يمكن قراءة كلامه باعتباره نقداً لسياسة تضيق مساحة التعاون وتوسع دائرة الخصومة. لكنه لا يعني أن جميع التهديدات التي تواجه إيران وهمية، أو أن طهران تتحمل وحدها مسؤولية كل نزاع. النقد الأدق يسأل: متى تصبح طريقة التعامل مع الخطر سبباً في مضاعفته؟
حين تطغى المواجهة على التنمية
يربط ظريف بين سيطرة الاعتبارات الأمنية وضياع فرص اقتصادية ودبلوماسية مع الدول المجاورة. وهذه خسارة لا تظهر فقط في البيانات السياسية؛ إذ تعني، من منظور التنمية، إضعاف فرص التجارة والاستثمار والتواصل التي يمكن أن يستفيد منها المواطن. فالجوار ليس جبهة عسكرية بالضرورة، بل يمكن أن يكون سوقاً وشريكاً ومجالاً للتعاون.
والمساءلة هنا تتعلق بالنتائج: هل حسّنت السياسة الخارجية حياة الإيرانيين، أم جعلت استمرار المواجهة معيار نجاحها؟ لا يكفي الإعلان عن الصمود إذا غابت إجابة مقنعة عن فرص العمل والخدمات ومستقبل الشباب.
هجوم المحافظين يكشف صعوبة المراجعة
واجه ظريف انتقادات حادة من وسائل إعلام محافظة. واتهمته صحيفة «كيهان» بإضعاف الأمن القومي ومساعدة واشنطن، فيما طالبت جهات إعلامية أخرى باعتذاره. ويكشف هذا الرد حجم المقاومة التي تواجه حتى مناقشة بدائل للنهج الأمني داخل المؤسسة السياسية الإيرانية.
لكن الاعتراض على ظريف لا يثبت أن النظام بأكمله يرفض أي تسوية. كما أن القول إن القيادة لا تملك «أي اهتمام» بالإصلاح يظل حكماً على النوايا. ما يمكن تقييمه بوضوح هو القرارات العملية، ومدى استعداد أصحابها لتغيير السياسات عندما ترتفع كلفتها.

السلاح ليس بديلاً عن رفاه المواطن
تثير هذه المناقشة سؤال الأولويات: كيف توازن الدولة بين احتياجات الدفاع وحقوق الناس في التعليم والصحة والعمل؟ لا توفر تصريحات ظريف وحدها دليلاً على صفقات سلاح جديدة أو أرقام الإنفاق عليها، ولذلك لا يصح استخدامها لإثبات مشتريات محددة.
مع ذلك، يظل من حق الإيرانيين المطالبة بميزانيات شفافة، وبشرح يوضح جدوى النفقات العسكرية مقارنة بالاحتياجات الاجتماعية. فالأمن الذي يتجاهل معيشة المواطنين يقدم تعريفاً ناقصاً لحماية الدولة، مهما بلغت قوة ترسانتها.
المراجعة تبدأ بتغيير المعايير
تكمن أهمية تصريحات ظريف في أنها تطرح بديلاً من داخل تجربة الحكم نفسها: تحويل العلاقة مع الجوار من إدارة التهديدات وحدها إلى بناء المصالح المشتركة.
ولا تتحقق هذه المراجعة بتبديل الخطاب فقط، بل بمنح الدبلوماسية والاقتصاد والمساءلة مساحة فعلية. فالإيرانيون لا يحتاجون إلى خصومات إضافية تثبت صلابة السلطة؛ إنهم يحتاجون إلى سياسة تقيس نجاحها بما تحميه من أرواح، وما تفتحه من فرص، وما تخففه من أعباء.
المصدر : وكالات
إقرا أيضاً :الصين وروسيا تدعمان إيران في الحرب.. والخاسر الحقيقي هو الشعب الإيراني