إذا نجح العالم تدريجيًا في تقليل الإعتماد على مضيق هرمز لنقل النفط والغاز والسلع، فستكون النتيجة تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في تجارة الطاقة. لكن من المهم التمييز بين الأمرين: الإستغناء الكامل والسريع عن المضيق غير واقعي حاليًا بسبب محدودية البدائل، بينما تقليل الإعتماد عليه عبر خطوط الأنابيب والموانئ البديلة وتنويع مصادر الطاقة ممكن على المدى الطويل. في عام 2025، مرّ عبر المضيق نحو 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، وتعتمد عليه إيران والعراق والكويت وقطر والبحرين في تصدير معظم نفطها.

في البداية، ستؤدي أي مقاطعة مفاجئة أو توقف كامل للملاحة إلى صدمة عالمية: نقص في الإمدادات، وإرتفاع في أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ثم إرتفاع أسعار الوقود والغذاء والنقل والصناعة. وقد أظهرت إضطرابات عام 2026 أن حركة السفن تراجعت من نحو 130 سفينة يوميًا إلى ست سفن فقط في مارس، أي انخفاض يقارب 95%، وهو ما يوضح مدى حساسية التجارة العالمية لهذا الممر البحري.
لكن الأسواق لا تبقى ساكنة. مع مرور الوقت، ستتجه الدول المستهلكة للطاقة إلى بناء بدائل تقلص دور هرمز: زيادة المخزونات الإستراتيجية، وتوسيع خطوط الأنابيب نحو البحر الأحمر وبحر العرب، وتنويع الواردات من منتجين خارج الخليج، وتسريع الإستثمار في الطاقة المتجددة والغاز والمركبات الكهربائية. السعودية والإمارات تملكان بالفعل خطوط أنابيب عاملة يمكنها الإلتفاف على المضيق، لكن طاقتها المتاحة تُقدَّر بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا، وهي أقل بكثير من الكميات المعتادة التي تمر عبر هرمز.
الخاسر الإيراني الأكبر
قد يظن النظام الإيراني أن تهديد الملاحة في المضيق يمنحه ورقة قوة دائمة أمام الولايات المتحدة والعالم، لكنه في الواقع يعرض إيران لخطر فقدان أحد أهم مصادر وزنها الإقتصادي والجغرافي. فالقيمة التجارية للمضيق لا تنبع من موقعه وحده، بل من كونه طريقًا موثوقًا ومفتوحًا للتجارة. إذا أصبح الممر مصدرًا دائمًا للخطر، فسيدفع العالم إلى الإستثمار في تجاوزه، وستتراجع قيمته الإستراتيجية تدريجيًا.
إيران نفسها ليست بمنأى عن هذا الضرر. فهي تعتمد على المضيق لتصدير جانب كبير من مواردها، والوصول إلى الأسواق، والحصول على العملة الصعبة التي تحتاجها لتمويل الواردات والإقتصاد المحلي. وتعطيل الملاحة أو تحويلها إلى ساحة صراع سيرفع كلفة صادراتها، ويصعّب التعامل مع شركات الشحن والتأمين والبنوك، ويزيد عزلتها الإقتصادية. صحيح أن لدى إيران منفذ جاسك وخط أنابيب غوره–جاسك للتصدير خارج المضيق، لكن قدرته لا تعوض بالكامل الإعتماد التاريخي على هرمز.

كلفة العزلة الداخلية
الضرر الحقيقي سيتحمله المواطن الإيراني. فتراجع صادرات النفط والبتروكيماويات يعني إيرادات أقل للدولة وعملة صعبة أقل في السوق، ما يفاقم الضغط على سعر العملة والتضخم والقدرة على إستيراد الغذاء والدواء والمواد الصناعية. كما أن زيادة التوتر تُبعد المستثمرين وتعرقل فرص العمل وتدفع الكفاءات إلى المغادرة. ولا يقتصر الأثر على النفط؛ إذ يطال التجارة والخدمات والقطاعات التي تعتمد على الإستيراد والتصدير.
بدلًا من إنفاق الموارد على التهديدات العسكرية والصراعات البحرية، تستطيع إيران تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة اقتصادية: موانئ آمنة، وتجارة إقليمية، واستثمارات في النقل والطاقة، وعلاقات مستقرة مع دول الخليج والعالم. الموقع الجغرافي يمكن أن يكون جسرًا للإزدهار أو أداةً للخسارة؛ والفرق يصنعه القرار السياسي.
في المحصلة، قد يسبب الإبتعاد العالمي عن هرمز ألمًا إقتصاديًا للجميع في المرحلة الأولى، لكن إيران ستخسر على نحو خاص إذا تحولت تهديدات المضيق إلى واقع دائم. فالعالم سيبحث عن بدائل، أما إيران فقد تجد نفسها أقل إتصالًا بالتجارة الدولية، وأكثر عزلة، وقد فقدت جزءًا مهمًا من القيمة الإقتصادية لموقعها.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : سورية..عودة الأفران وإستقرار أسعار الخبز في دير الزور