هدد رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، باستهداف الكابلات البحرية ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي في الخليج، إذا تجددت المواجهة مع الولايات المتحدة. ووصف هذه البنية الرقمية بأنها «نبض الاقتصاد الأميركي في المنطقة»، مدعياً أن قيمتها تتجاوز تريليوني دولار.

ولا يقتصر هذا التهديد على إلحاق الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها. فالكابلات البحرية تشكل البنية الأساسية للاتصالات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتنقل البيانات التي تعتمد عليها المصارف والشركات والخدمات السحابية وأنظمة الذكاء الاصطناعي والاتصالات العسكرية.
كابلات تربط القارات وتخدم العالم
تمر عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز أنظمة كابلات دولية رئيسية تربط مراكز البيانات والأسواق بين آسيا وأوروبا. وتشير تقديرات شركة «تيليجيغرافي» إلى أن أكثر من 90% من سعة البيانات بين أوروبا وآسيا تمر عبر كابلات تحت البحر الأحمر، ما يوضح حساسية هذه الممرات البحرية للاتصالات العالمية.
ويؤدي أي تلف في هذه الكابلات إلى تعطيل الخدمات الرقمية، ورفع زمن الاستجابة، وزيادة تكاليف الشبكات، وإرباك العمليات المالية والتجارية. كما قد يمتد الأثر إلى الخدمات الحكومية والتعليم والصحة والعمل عن بُعد، لا إلى قطاع التكنولوجيا وحده.
إيران تهدد بعزل المنطقة
لا يهتم النظام الإيراني، بحسب هذا التهديد، بأن يعيد عزل شعبه أو أن يضعف الاتصال الرقمي بين دول المنطقة والعالم. فالتلاعب بالبنية التحتية للإنترنت لا يضر الشركات الأميركية وحدها، بل يمس الإمارات والسعودية وقطر وعُمان والكويت والبحرين، فضلاً عن آلاف الشركات والمستخدمين في آسيا وأوروبا.
وتحاول طهران تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط، بعد أن استخدمت سابقاً ملف النفط والملاحة في مضيق هرمز. وقد ناقشت جهات إيرانية في مايو/أيار فرض رسوم على الكابلات العابرة للمضيق، بينما بثت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري تحذيرات ضمنية من تعطيل حركة البيانات إذا رفضت الشركات الامتثال لشروطها.
هل تستطيع إيران تنفيذ العملية وحدها؟
لا تثبت التصريحات المتاحة أن إيران تستطيع تنفيذ عملية واسعة لتعطيل شبكة الكابلات الدولية بمفردها. فاستهداف الكابلات البحرية يتطلب قدرات بحرية وتقنية وتشغيلية معقدة، ويواجه رقابة أممية ودولية، وربما ردوداً عسكرية سريعة من الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
لكن التهديد لم يأت من فراغ. فقد وثقت تقارير صحافية مخاوف أميركية من احتمال استهداف الحرس الثوري للكابلات في هرمز، وأفادت مصادر بأن واشنطن استهدفت في سبتمبر مواقع للحرس الثوري ضمن إجراءات وقائية مرتبطة بهذه المخاوف. ومع ذلك، لا توجد إثباتات علنية مستقلة تؤكد وجود اتفاق بين موسكو وطهران لتنفيذ عملية محددة ضد الكابلات.

موسكو تستفيد من استمرار الأزمة
تستفيد روسيا من استمرار الأزمة الإيرانية في تقوية نفوذها في المنطقة، وتقديم نفسها شريكاً لطهران في مواجهة الضغوط الغربية. كما قد تستفيد من اضطراب أسواق الطاقة، لأن ارتفاع المخاطر يدفع الأسعار صعوداً ويمنح صادراتها النفطية فرصة لتحقيق عوائد أعلى، بينما تواجه النفط الإيراني قيوداً وعقوبات.
ولذلك، فإن أي تعاون بين البلدين في ملفات الأمن السيبراني أو البحرية أو التكنولوجيا يزيد من تعقيد الأزمة، ويمنح موسكو مساحة للتأثير دون أن تتحمل وحدها كلفة التصعيد. لكن يبقى من الضروري التمييز بين الاستنتاجات السياسية المبنية على مصالح الطرفين، وبين الأدلة الموثقة التي تثبت تنسيقاً عملياتياً محدداً.
أثر مباشر على الإيرانيين
لا يخدم تهديد الكابلات مصالح الإيرانيين. فتدمير البنية الرقمية الإقليمية قد يرفع تكاليف الاتصالات، ويضعف الخدمات المصرفية والتجارية، ويعيق الوصول إلى الإنترنت والتعليم والعمل عن بُعد. كما قد يعمق عزلة إيران الاقتصادية والتقنية، بدلاً من فتح فرص للتعافي والاستثمار.
وتحتاج إيران إلى سياسة تقلل التصعيد وتحمي الاتصال الرقمي للمنطقة، لا إلى تهديدات توسع دائرة الحرب. فالكابلات البحرية ليست ملكاً لدولة واحدة، بل شريان مشترك يخدم ملايين المستخدمين والشركات في آسيا وأوروبا وأفريقيا، وأي هجوم عليه سيضرب الجميع، بما فيهم الشعب الإيراني.
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : إحتجاجات المتقاعدين في إيران: مطالب معيشية تكشف أزمة حقوق وحريات