لماذا لا يكون العالم الإفتراضي حقيقة

💬0

في عامٍ إفتراضي من المستقبل، إختفت من خريطة الشرق الأوسط تلك الشبكة المعقدة من الصراعات التي كانت تُنسب إلى النظام الإيراني وميليشياته المنتشرة في الإقليم. في هذا المستقبل المتخيَّل، لا نرى دولًا تخشى صواريخ عابرة ولا ممرات بحرية مهددة بالإغلاق، بل نرى منطقة تعيد اكتشاف نفسها بعيدًا عن عبء التوتر المستمر، وكأن عقدًا كاملاً من الأزمات قد أزيح عن كاهلها.

صورة تعبيرية لمستقبل إيران بدون حروب أو صراعات
صورة تعبيرية لمستقبل إيران بدون حروب أو صراعات/المصدر/Pexels

في هذا المشهد، يعيش الإيرانيون أنفسهم واقعًا مختلفًا تمامًا؛ مجتمعًا لا يعرف لغة التعبئة المستمرة، ولا يُستدعى شبابه إلى ساحات حروب بالوكالة، ولا يُختزل مستقبلهم في شعارات المواجهة مع العالم. بدل الخوف من العقوبات والانهيار الاقتصادي، نرى اقتصادًا يستثمر ثروات البلاد في التعليم والصحة والصناعة والتكنولوجيا. الجامعات الإيرانية تستقبل طلابًا من المنطقة والعالم، والمصانع تصدّر منتجات تنافسية، والشباب يتحدثون عن مشاريع ريادة أعمال لا عن طرق الهجرة والهروب.

الطبقة الوسطى في إيران، التي كانت مهددة بالفقر والتراجع، تستعيد دورها الطبيعي؛ عماد الاستقرار ومحرك الإصلاح. الأسر تخطط لمستقبل أولادها بثقة أكبر، والمدن تستثمر في بنية تحتية حديثة، والريف يحصل على نصيبه من التنمية والخدمات. لم يعد المواطن الإيراني يعيش تحت ظل شبكة ميليشيات أو أجهزة تجره إلى مغامرات خارج الحدود، بل تحت سقف دولة مسؤولة تحاسَب على أدائها أمام شعب واعٍ، لا أمام شعارات فارغة.

أما في الإقليم، فغياب الميليشيات المرتبطة بإيران عن الساحة يعني شرق أوسط أقل توترًا وأكثر قابلية لبناء مشاريع مشتركة. لم تعد العواصم العربية تفكر في كيفية التعامل مع جماعات مسلحة عابرة للحدود، بل تفكر في كيفية بناء ممرات تجارية، وخطوط طاقة، ومشاريع نقل وسكك حديد تربط الخليج بالمشرق، والمشرق بتركيا وأوروبا. مع زوال البعد الميليشياوي من المعادلة، يعود الانقسام الأهم إلى الواجهة: تنافس اقتصادي واستثماري، لا تناحر عسكري وأمني.

في هذا المستقبل المتخيَّل، مضيق هرمز ليس ورقة ابتزاز، بل ممرًا طبيعيًا للطاقة والتجارة، تحميه ترتيبات أمنية إقليمية وتحكمه قواعد واضحة، لا تهديدات متبادلة. تمر ناقلات النفط والغاز بسلاسة، وتُستخدم عائدات الطاقة لبناء اقتصادات متنوعة في الخليج وإيران وما حولهما. ومع انخفاض مخاطر الإغلاق أو الهجوم، تتراجع علاوة المخاطر على أسعار النفط، ويتنفس الاقتصاد العالمي الصعداء، فيعرف الطاقة المستقرة، والنقل الأرخص، والاستثمار الأقل قلقًا.

صورة تعبيريةللتجارة و المواصلات بإيران بعيدة عن الحرب
صورة تعبيريةللتجارة و المواصلات بإيران بعيدة عن الحرب/المصدر/Pexels

العالم نفسه يبدو أفضل حالًا؛ أقل حاجة إلى نشر قوات لحماية الممرات البحرية، وأقل اضطرارًا لبناء تحالفات عسكرية فقط لحفظ تدفق الطاقة. تُوجَّه الموارد العالمية أكثر نحو مكافحة الفقر وتطوير التكنولوجيا ومواجهة التغير المناخي، بدل أن تُستهلك في إدارة أزمات ناتجة عن شبكات ميليشياوية وتهديدات مستمرة. شركات الشحن العالمية تخطط لمساراتها دون حسابات الحرب، والبورصات تتعامل مع أسعار نفط مستقرة نسبيًا، ما ينعكس على حياة الناس في كل مكان.

تخيّل لو أننا، بدلًا من لغة “محور المقاومة” و”محور المواجهة” التي استُخدمت في كثير من الأحيان لتبرير الممارسات القمعية الداخلية، سمعنا لغةً أكثر عقلانية تقوم على التعاون، والتكامل، والمنافسة الاقتصادية، والشراكات التكنولوجية.

في هذا السيناريو المتخيَّل، ينظر العرب إلى إيران ليس باعتبارها تهديدًا، بل كشريكٍ محتمل في مجالات الطاقة، والبحث العلمي، والمشروعات الثقافية. وفي المقابل، ينظر الإيرانيون إلى محيطهم العربي ليس باعتباره خصمًا أبديًا، بل باعتباره فضاءً طبيعيًا للتفاعل والتجارة..

هذا المستقبل ليس مجرد حلم أخلاقي، بل تصور لواقع يمكن أن يكون ممكنًا لو تحررت المنطقة من عبء نظام يفضل الميليشيا على الدولة، والحرب على التنمية، والعزلة على الانفتاح. تخيّل شرق أوسط بلا ميليشيات عابرة للحدود، وبلا تهديد دائم للممرات البحرية، وبلا شعوب تُستنزف باسم صراعات لا تفهمها؛ سنرى حينها منطقة مختلفة تمامًا، وشعبًا إيرانيًا يعيش أخيرًا ما يستحقه: سلامًا، وازدهارًا، وفرصة حقيقية للحياة الكريمة.

المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : تداعيات الحرب على المواطن الايراني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *