عودة جامع النوري كرمز لتعافي الموصل

💬0

بعد تسع سنوات على تدمير تنظيم داعش لجامع النوري الكبير، يعود الجامع اليوم ليصبح رمزاً حياً لتعافي الموصل وهويتها التاريخية. يستعيد الجامع الحياة الدينية والثقافية في أحياء المدينة القديمة وأسواقها، ويمنح السكان شعوراً بالعودة إلى جذورهم.

مسجد الموصل الثراثي
مسجد الموصل الثراثي /المصدر/Pixabay

تاريخ الجامع ومنارته الحدباء

يعود بناء جامع النوري الكبير إلى القرن الثاني عشر، حين شيّده نور الدين زنكي. تتميز منارته الحدباء بارتفاعها وميلها الشهير، فأصبحت على مدى مئات السنين أيقونة تاريخية تميز صورة الموصل وهويتها.

تدمير الجامع على يد تنظيم داعش

في يوليو 2017، فجر تنظيم داعش الجامع ومنارته الحدباء خلال المعارك الأخيرة. أحدث التفجير صدمة كبيرة لدى أهالي الموصل، الذين رأوا في الجامع رمزاً دينياً وتاريخياً يرتبط بذكرياتهم الشخصية والجماعية.

إطلاق مبادرة إحياء روح الموصل

أطلقت اليونسكو في فبراير 2018 مبادرة “إحياء روح الموصل” لإعادة الحياة إلى المدينة القديمة. أزال العمال الأنقاض وأمنوا الموقع، ثم دخل المشروع مرحلة جديدة في 2020، وأطلقت الجهات المعنية مسابقة دولية لإعادة تصميم المجمع بعد مشاورات واسعة مع سكان الموصل للحفاظ على هويته التاريخية.

شهادات الموصليين عن الصدمة والفرحة

يقول صفوت الطائي (34 عاماً) من أبناء الموصل: “الجامع تاريخنا وتاريخ أجدادنا، ورمز هوية الموصل التراثية والأثرية. ليس مجرد مكان للصلاة، بل أحد عوالم المدينة العريقة”. يتذكر صفوت لحظة سماعه خبر التدمير وهو نازح، ويصفها بأنها صدمة لا تمحى من الذاكرة، بينما يرى اليوم في عودة المنارة تعانق السماء لحظة تعيد الأمل إلى قلبه.أما سعد الله طه، أحد سكان المدينة القديمة، فيقول: “كنت شاهداً على تفجير المنارة والجامع، وبكيت يومها من شدة الألم. أما اليوم ففرحتي لا توصف بعودة الصلاة إلى الجامع الذي كبرت وترعرعت قربه”.

تأثير إعادة الإعمار على المنطقة المحيطة

يلاحظ أسامة مصطفى، موظف في متحف خاص قرب الجامع، أن المنطقة كانت منسية تماماً، لكن أعمال الإعمار حولتها تدريجياً إلى نقطة جذب للزوار والمهتمين بالأماكن التاريخية. يضيف أن كثيرين بدأوا يشترون محلات أو يستأجرون بيوتاً قرب الجامع بسبب قيمته التراثية، ويرى أن عودة الجامع تمثل عودة للروح وللثقة بقدرة المدينة على النهوض.يقول مصطفى حسين إن عودة الجامع عززت حضور الموصل مع تزايد زيارات العرب والأجانب. ويكشف ماجد حازم أن أعمال التنقيب كشفت قاعة الصلاة ومحلات الوضوء القديمة، مما أضاف قيمة أثرية وثقافية وسياحية أكبر للموقع.

عودة الحياة الدينية والاجتماعية إلى الجامع

يصف إمام الجامع وخطيبه الشيخ ذاكر حساوي عودة النشاط بأنها عودة للحياة، ويقول: “عودة الحياة إلى الجامع الكبير النوري هي عودة الحياة إلى أنفسنا التي فقدناها”. يضيف أن الجامع يشكل في وجدان الموصليين أثراً عظيماً لأنه يروي أيامهم وذكرياتهم، وأن حضور العوائل اليوم لا يقتصر على العبادة، بل يشمل التقاط الصور مع آثاره التاريخية.

مسجد قديم بالعراق
مسجد قديم بالعراق/المصدر/Pixabay

دور اليونسكو في التعافي الشامل للموصل

لم تقتصر مبادرة “إحياء روح الموصل” على جامع النوري فقط، بل شملت إعادة تأهيل منازل تراثية ومدارس ومعالم دينية أخرى. خلقت المبادرة آلاف فرص العمل، ودربت حرفيين محليين، وربطت إعادة الإعمار العمراني بالتعافي الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمدينة.

الافتتاح الرسمي وأول صلاة عيد الفطر

افتتح المسؤولون جامع النوري الكبير رسمياً أمام الأهالي في 1 سبتمبر 2025 بعد اكتمال أعمال الإعمار، بما في ذلك ترميم المنارة الحدباء. شكّل الحدث لحظة رمزية تعكس استعادة جزء أساسي من هوية الموصل التاريخية.أقام المصلون أول صلاة عيد الفطر في الجامع في 20 آذار 2026 بعد تسع سنوات من التوقف، لتجسد هذه اللحظة استعادة الروح الدينية والارتباط العميق لسكان الموصل بالجامع.

الجامع يروي قصة مدينة تصر على استعادة ذاكرتها

لا يختصر جامع النوري قصة حجر أعاد العمال تركيبه فوق حجر، بل يروي حكاية مدينة تصر على استعادة ذاكرتها. يبدو الجامع اليوم علامة واضحة على أن الموصل لا تكتفي بتجاوز دمارها، بل تعيد تعريف نفسها من خلال رموزها الأعمق: التاريخ والهوية والقدرة على البدء من جديد.

المصدر: وكالات
إقرأ ايضاً : تراجع النمو اليموغرافي العالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *