بينما تحاول باكستان إعادة تحريك المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، تستمر الهجمات على السفن في مضيق هرمز، لتطرح سؤالاً يتجاوز الحسابات العسكرية: لماذا تتوافر الموارد لمواصلة المواجهة، بينما ينتظر الإيرانيون تحسناً في معيشتهم؟ لكن فهم المشهد يتطلب التمييز بين المعلومات المؤكدة والاتهامات، خصوصاً بشأن موقف طهران من التفاوض ومصادر أسلحتها.

وساطة مستمرة وحماس إيراني محدود
قللت الخارجية الإيرانية من التوقعات بشأن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، موضحة أن المحادثات تتصل بالتفاوض، لكنها تركز أساساً على العلاقات الثنائية. ويعكس هذا الموقف تحفظاً على تقديم الزيارة باعتبارها بداية لمفاوضات سلام واسعة، لكنه لا يثبت رفض إيران جميع الاتصالات الدبلوماسية. وأكدت الخارجية القطرية، الثلاثاء، استمرار التواصل التفاوضي بين واشنطن وطهران رغم التصعيد.
المشكلة إذن ليست غياب القنوات وحده، بل الفجوة بين استمرارها واستمرار القتال. فالمفاوضات التي لا تنتج تهدئة ملموسة تترك المدنيين والملاحة التجارية أمام مخاطر متواصلة، وتزيد الشكوك في استعداد الأطراف لتقديم تنازلات.
هرمز.. صواريخ ومسيّرات وألغام
وثّقت مصادر أمنية بحرية تحدثت إلى رويترز ما لا يقل عن 12 هجوماً على ناقلات نفط وغاز حول هرمز بين 28 سبتمبر/أيلول و5 أكتوبر/تشرين الأول. كما تحدثت تقارير عن قذائف أصابت سفناً، بينما أعلن الحرس الثوري استهداف ناقلات بألغام بحرية.
ولا تثبت هذه المعلومات أن الصواريخ حلّت محل المسيّرات بصورة شاملة. فالتقارير تشير إلى استخدام وسائل متعددة، وبعض البلاغات تصف السلاح بأنه «مقذوف مجهول». كذلك، ينبغي التمييز بين الحرس الثوري، بوصفه قوة إيرانية رسمية، والجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران؛ فلا يصح نسب كل حادثة إلى «الميليشيات» دون دليل.
من يساعد إيران على مواصلة الهجمات؟
تشير تقارير إلى دور روسي وصيني في تحسين قدرات إيران. ونقلت شبكة «سي إن إن» عن مصادر مطلعة على تقييمات استخباراتية أميركية أن جهات صينية قدمت صور أقمار صناعية ومعلومات حسّنت تتبع السفن، وأن مساعدات تقنية روسية وصينية ساعدت في تطوير أنظمة توجيه الصواريخ والمسيّرات.
كما تناول تحليل في «فورين بوليسي» تقديم مكونات صاروخية ومعلومات استهداف ومساعدات لإعادة بناء الترسانة الإيرانية. لكن هذه المعطيات لا تحدد مصدر كل صاروخ، ولا تثبت أن ذخيرة استُخدمت في حادثة بعينها وصلت حديثاً من موسكو أو بكين. وهذه حدود مهمة عند مساءلة الجهات الداعمة.

أين موقع المواطن من الإنفاق العسكري؟
يبقى السؤال السياسي مشروعاً: إذا استطاعت القيادة تأمين السلاح والمكونات والدعم التقني، فلماذا لا تمنح تحسين الخدمات وتخفيف أعباء الأسر أولوية مماثلة؟ ولا تتيح التقارير المذكورة حساب كلفة كل هجوم أو تحديد المبلغ الذي يمكن تحويله مباشرة إلى الصحة والتعليم، لكنها تفتح نقاشاً ضرورياً حول الأولويات.
فالسلاح ليس مجرد ثمن شراء؛ إنه يحتاج إلى تشغيل وصيانة وتدريب، بينما يفرض استمرار التصعيد أعباء إضافية على الاقتصاد. ومن حق الإيرانيين معرفة ما تنفقه مؤسساتهم، وما تحققه هذه النفقات لأمنهم الفعلي، لا لأمن السلطة وحدها.
التهدئة اختبار لا شعار
لا يكفي إبقاء باب الوساطة موارباً إذا ظلت السفن عرضة للهجمات. والاختبار الحقيقي لأي حديث عن السلام هو تحويله إلى إجراءات تقلل الخطر وتحمي المدنيين. أما الاستمرار في استعراض القدرة العسكرية، فلن يجيب عن سؤال الأسر الإيرانية الأبسط: متى تصبح حياتها وكرامتها أولوية تتقدم على إطالة المواجهة؟
المصدر : وكالات
إقرأ أيضاً : لقاء لافروف وعراقجي.. دبلوماسية معلنة ومصالح روسية في ظل الحرب